

بقلم الناقد الفني: رضا العربي
في الأزمنة التي يعلو فيها صوت الخوف أكثر من صوت العقل، تتحول الظواهر المعقدة إلى أحكامٍ سريعة، ويصبح الحل الأسهل هو الإقصاء لا الفهم، في مدينةٍ لا تمنح سكانها سوى الأسئلة، يظهر (الكلب) الذي يسمى (رامبو) لا كبطلٍ سينمائي تقليدي، بل كمرآةٍ صافية لوجع الإنسان.
فيلم (الكلب رامبو) لا يحكي حكاية حيوان يدافع عن صاحبه بقدر ما يكشف عن عالمٍ كاملٍ تُقاس فيه الرحمة بميزان القسوة، ويُحاكم فيه الضعفاء لأنهم أحبّوا أكثر مما ينبغي.. هنا، لا يصبح الكلب رمزًا للوفاء فقط، بل شاهدًا أخلاقيًا على انكسارات البشر، وعلى مجتمعٍ يضيق صدره بكل ما هو صادق وبسيط.
في هذا الفيلم، يتحول الشارع من مجرد مكان إلى فلسفة، و(الكلب) من كائن صامت إلى صوتٍ أعلى من الخطب، يقول ما عجز البشر عن قوله: أن الحب غير المشروط جريمة في زمن المصالح، وأن الدفاع عن من نحب قد يكون آخر أشكال البطولة الممكنة.
(رامبو) ليس حيوانًا في كادر الكاميرا، بل سؤالٌ يمشي على أربع من الأكثر إنسانية.. من يملك اللغة أم من يملك القلب؟هكذا وجدتُ نفسي أتابع موجة الغضب المتصاعدة في شوارع المحافظات المصرية، مطالباتٍ حادة بالقضاء على الكلاب الضالة بوصفها خطرًا داهمًا، لا سيما مع شبح السعار الذي يلوّح في الذاكرة الجمعية.
خطرٌ حقيقي لا يمكن إنكاره، لكن السؤال الذي ظل معلقًا في ذهني: هل نظرنا إلى الصورة كاملة؟ أم اكتفينا بوجهها المظلم فقط تجاه (الكلب) ذلك الكائن الضعيف؟
في لحظة تأمل هادئة، خطر لي ذلك الاحتمال الذي يبدو صادمًا بقدر ما هو مثير: ماذا لو تحوّل هذا (العبء) إلى قيمة؟ ماذا لو اكتشفنا أن ما نطالب بإفنائه قد يكون، لو أُحسن توظيفه، كنزًا علميًا تمشي به البلاد على أربع؟، بل ماذا لو تمنّينا، يومًا ما، أن تصبح الشوارع عامرة بالكلاب، لا خوفًا منها، بل ثقةً في قدرتها؟
قادني هذا السؤال إلى جلسة مطوّلة مع ابن أخي، (الدكتور رضا العربي)، الطبيب الشاب المشغول دائمًا بحدود العلم الجديدة، الباحث عن المناطق التي لم تطأها الأسئلة بعد.

حاسة الشم الخارقة
هناك، بين حديثٍ علمي ونبرة شغوفة بالاكتشاف، فتح أمامي بابًا لم يخطر لي من قبل: عالم تستخدم فيه الدول المتقدمة حاسة الشم الخارقة لدى (الكلب) لا للحراسة ولا للمطاردة، بل لتشخيص الأمراض، ورصدها في بداياتها الخفية، قبل أن تتحول إلى كوارث صامتة في أجساد البشر.
من تلك الجلسة وُلد هذا المقال؛ محاولة لإعادة النظر، لا بعين العاطفة وحدها، بل بعقلٍ علمي وروحٍ فلسفية تؤمن أن أخطر ما في الظواهر ليس وجودها، بل جهلنا بإمكاناتها.. أنف يرى ما لا تراه العين: كيف تساعد حاسة الشم لدى (الكلب) في كشف الأمراض المزمنة.
في عالم الطب الحديث، حيث تتكدّس الأجهزة المعقّدة وتتعقّب الخوارزميات أدق الإشارات الحيوية، يطلّ اكتشاف مدهش من بوابة الطبيعة: أنف (الكلب).. نعم، تلك الحاسة التي طالما ارتبطت بالصيد والحراسة، باتت اليوم موضع اهتمام علمي جاد في تشخيص الأمراض، خاصة المزمنة منها.
لماذا أنف الكلب مختلف؟:
يمتلك (الكلب) جهازًا شميًا خارقًا بالمقاييس البشرية.. فبينما يحتوي أنف الإنسان على نحو (5 – 6) ملايين مستقبل شمي، يمتلك (الكلب) ما يزيد على 300 مليون مستقبل، إضافة إلى جزء خاص في الدماغ مكرّس لتحليل الروائح يفوق نظيره لدى الإنسان بعشرات المرات.
النتيجة: قدرة استثنائية على التقاط جزيئات كيميائية دقيقة جدًا تصدر عن الجسم البشري دون أن نشعر بها.

المرض له رائحة
تُظهر الأبحاث أن الأمراض، وخصوصًا المزمنة، تُحدث تغيّرات كيميائية في الجسم.. هذه التغيّرات تنعكس في العرق، والنفَس، والبول، وحتى الجلد، مطلِقة مركّبات عضوية متطايرة (VOCs).
الإنسان لا يشمّها.. لكن الكلب يستطيع.. أمراض مزمنة تحت أنف الكلاب.. نجحت الكلاب، بعد تدريب علمي دقيق، في المساعدة على كشف عدد من الأمراض المزمنة، من أبرزها:
السكري: تستطيع بعض الكلاب التنبّه لانخفاض أو ارتفاع السكر قبل حدوثه، عبر تغيّر رائحة الجسم أو النفَس.
السرطان: أظهرت دراسات أن (الكلب) قادر على تمييز روائح مرتبطة بسرطانات مثل الرئة، والثدي، والبروستاتا، حتى في مراحل مبكرة.
الصرع: هناك كلاب مدرَّبة تشعر بقرب نوبات الصرع قبل وقوعها بدقائق أو ساعات.
الأمراض الالتهابية المزمنة: بسبب التغيّرات المستمرة في كيمياء الجسم.

من التجربة إلى المعمل
لم يعد الأمر حكاية طريفة أو مصادفة.. جامعات ومراكز أبحاث حول العالم أجرت تجارب مزدوجة التعمية، وحققت الكلاب فيها نسب دقة لافتة، أحيانًا تضاهي أو تتفوّق على الفحوص الأولية.
الأهم أن العلماء لا يسعون لاستبدال الطب بالكلاب، بل لفهم ما تشمه الكلاب، وتحويل هذه القدرة إلى أجهزة استشعار حيوية (Bio-sensors) تحاكي الأنف الكلبي.
في الأمراض المزمنة، الزمن عامل حاسم.. وكل أداة تتيح إنذارًا مبكرًا تعني فرصة حياة أفضل، وتدخّلًا أسرع، وتكلفة علاج أقل.. هنا تتجلّى قيمة (الكلب): كائن لا يحكمه جهاز ولا شاشة، بل غريزة دقيقة تم تهذيبها بالعلم.. إنه مستقبل التشخيص.. برائحة مختلفة.
اليوم، يقف الطب عند عتبة جديدة: تشخيص لا يوجع، لا يُشِعّ، ولا يثقب الجسد.. بل يبدأ بنفَس، أو عيّنة عرق، أو حتى لحظة مرور كلب مدرَّب.. ربما في المستقبل القريب، لن يكون السؤال: ما نتيجة التحليل؟
بل: هل شمّ (الكلب) شيئًا؟، فالمرض، مهما طال، له رائحة.. والكلاب تعرفها جيدًا.. فهل يمكن أن نستفيد من الكلاب الضالة المنتشرة في الشوارع حاليا.. ليس من باب الرحمة والرأفة بالحيوان، بل على الأقل الأخذ بأسباب العلم الذي لم ندركه بعد، ويبقى سرا من أسرار خالق الكون العظيم؟!