

بقلم الكاتب والناقد: محمد الروبي
منذ أن بلغني خبر الرحيل الصادم للفنان والصديق الفلسطيني (محمد بكري)، لم تزاحم ذاكرتي أعماله الكثيرة، بل ألحّ عمل واحد بعينه، كأنه يطالب بحقه في الحضور.. عرض شاهدته بالقاهرة منذ أكثر من ثلاثين عامًا.. وعاد الآن، كاملًا، حيًّا، نابضًا.
أن تتذكّر تفاصيل عرض مسرحي بعد ثلاثة عقود، فهذا لا يعني أنك تتذكر حدثًا عابرًا، بل يعني أن تجربة كاملة قد استيقظت فيك من جديد: الجسد، الصوت، الإيقاع، الصمت، وحتى فراغ الخشبة.
كأن العرض لم ينتهِ قط، وكأن الزمن لم يفلح في محو أثره، بل اكتفى بتغطيته بطبقة رقيقة من النسيان، سرعان ما انزاحت مع أول صدمة.
هذا تمامًا ما حدث لي مع (المتشائل) لـ (محمد بكري).. بعد خمسة وثلاثين عامًا، بقيت كل حركة، كل نبرة، كل رجفة إحساس محفورة داخلي، لتطفو فجأة مع خبر الرحيل، كأن العرض كان ينتظر هذه اللحظة ليعود.
المُدهش لم يكن فقط احتفاظ الذاكرة بتفاصيل العرض، بل احتفاظها أيضًا بما قبله، وأثناءه، وبعده.
أتذكر جيدًا رحلتي إلى مسرح الجمهورية بالقاهرة عام 1990، لمشاهدة عرض مسرحي بعنوان (المتشائل)، لممثل قادم ضمن أسبوع ثقافي فلسطيني، اسمه (محمد بكري).
كنت قد قرأت الرواية، قبل العرض بأشهر، ووقعت في غرامها إلى حدّ أنني حفظت مقاطع كاملة منها.. ولهذا، ظل سؤال واحد يرافقني في الطريق إلى المسرح، يلحّ عليّ بإصرار:
كيف يمكن اختصار رواية بهذا الاتساع، بهذا الثقل التاريخي، بهذا القدر من المرارة والسخرية، في ممثل واحد يقف وحيدًا على الخشبة؟ وكيف يُحمَل شعبٌ كامل في جسدٍ واحد؟


شعور بالشفقة على ممثل
لم أُخفِ عن نفسي شعورًا بالشفقة على ممثل – لم أكن أعرفه بعد – قرر خوض هذه المغامرة منفردًا، واضعًا نفسه في مواجهة نص روائي مزدحم بالشخصيات، متشابك البنية، يتنقل بين الأزمنة ذهابًا وإيابًا، في حبكة يصعب تفكيكها، فضلًا عن تجسيدها حيّة بممثل واحد.
لمن يعرف الرواية، يدرك أن (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل) لإميل حبيبي، ليست حكاية فرد، بل كونًا كاملًا من التاريخ والوجع والسخرية السوداء. من النكبة، إلى الحكم العسكري، إلى الاعتقال، والخيبة، والحب، والتفاصيل اليومية الصغيرة التي تصنع المأساة الكبرى.
لكن العرض، منذ لحظاته الأولى، بدّد تلك الشفقة.. خشبة شبه عارية.. لا ديكور مزدحم، بل فراغ مشحون بالدلالة.. فقط مكنسة وقلّة فخارية.. وسرير أقرب إلى سرير مستشفى.
ثلاثة أشياء عادية في ظاهرها، لكنها سرعان ما تكشف عمقها الرمزي.. المكنسة تتحول إلى فعل قهري، كنس بلا نهاية، كأن الخضوع صار طقسًا يوميًا للحياة.. والقلّة ماء محفوظ في فخار هش، كالوطن، يجمع بين العطش للحياة والعطش للعدالة، أما السرير، فيتبدل مع الوقت بين النوم، والمرض، والاعتقال، والموت.. ربما هو جسد فلسطين المصاب.
نحن إذن أمام مثلث الحياة اليومية للفلسطيني، الذي يعمل ليبقى.. يشرب ليواصل… يتمدّد ليحتمل.. لا بيت مكتمل، لا وطن مستقر، بل إقامة مؤقتة داخل الزمن.
و(محمد بكري) هنا لا يؤدي الرواية، بل يستحضرها.. الجسد، النفس، الإيقاع، الصمت.. كلها تحوّل الكلمات إلى تجربة معاشة.
من جسده، وبقدرة مذهلة على التلوّن، تولد شخصيات عديدة: (سعيد أبو النحس، الحاكم، الموظف، الجار، الضحية، الجلاد…و.. و..و).. تحولات دقيقة، لكنها كافية لتبديل العالم بأسره.. هنا لم تكن المونودراما حيلة إنتاجية، بل موقفًا فكريًا وجماليًا.. فالفلسطيني، كما يقدّمه العرض، يعيش وحده حتى وهو بين الناس، محاصرًا داخل وطنه، مطالبًا دائمًا بالشرح والتبرير والدفاع.

(محمد بكري) لم يمثّل شخصية
كان أداء (محمد بكري) قائم على الاقتصاد، بلا مبالغة أو استعراض.. علاقة مفتوحة مع الجمهور؛ يقطع التقمص، يخاطب الصالة، لا ليمازحها، بل ليذكّر الجالسين أنهم هنا لا ليتعاطفوا فقط، بل ليفكّروا.
مع نهاية العرض، صفقت طويلا، بل وصرخت كطفل كعادتي دوما حين يخطفني عرض مسرحي: (برافوووو)، ثم خرجت من المسرح وحدي كما جئت وحدي. لكني لم أكن أنا ذلك الذي جاء.. لقد خرجت من العرض مثقَلًا بأسئلة أكثر مما دخلت، فـ (المتشائل) لم يمنحني إجابات، بل فضح هشاشتها.
و(محمد بكري) لم يمثّل شخصية، بل أدّى حالة، فلسطينية في ظاهرها، إنسانية كونية في عمقها.. إنسان عالق بين الرغبة في الحياة، والخوف منها.. لم يكن مجرد ممثلًا وحيدًا على خشبة، بل حارسًا لذاكرة شعب، وقنديلًا يُضيء الطريق وسط العتمة.
ولهذا، حتى بعد أن انطفأت الأضواء، ودوّت الصالة بتصفيق طويل، تشكل داخلي وبقي معي ذلك الإحساس الذي أحب: أن المسرح ليس عرضًا عابرًا، بل اختبار وجود، وشهادة على قدرة الإنسان على الصمود، والحكي، والضحك، والبكاء.. في آن واحد.
والأجمل، أن منذ ذلك اليوم، صار (محمد بكري) صديقي.. لم تجمعنا لقاءات كثيرة، سوى مصادفات في مهرجانات هنا أو هناك، لكننا لم نتوقف عن اللقاء عبر وسائل كسرت المسافات والحواجز.
وكان آخر لقاء طويل بيننا حول فيلمه الأسير (ما بعد..)، وفي الخلفية كان حاضرًا دائمًا ذلك (المتشائل) الذي لم يمت داخلي.. ولن يموت.