

* رحلتي إلى (طرابلس) بين الطائرات والوجوه المندهشة والسؤال الغريب
بقلم الدكتور: إبراهيم أبو ذكري*
قرر مجلس وزراء الإعلام العرب اعتبار (طرابلس) عاصمة للإعلام العربي، لم يكن القرار مجرد عنوان أو بيان؛ بل كان وعدًا بأن تعود المدينة العريقة إلى وهجها، وتفتح أبوابها للضيوف كما تفتح الروح نافذتها للشمس.
ومن اللحظة الأولى، تحركت وزارة الإعلام بحكومة ليبيا في (طرابلس) بحيوية لافتة، فامتلأت المدينة بأنشطة وفعاليات وورش عمل.. كأن طرابلس أرادت أن تقول للعالم العربي كلّه: (ها أنا ذا.. مدينة الإعلام، مدينة الحكايات، مدينة العرب جميعًا).
وفي حفل الافتتاح الكبير، جاءت الدعوات واسعة، دافئة، صادقة.. لم تقتصر على الوفود الرسمية، بل امتدت إلى رموز الإعلام في العالم العربي، وإلى كوادر جامعة الدول العربية – من قطاع الإعلام وعدد من قطاعاتها المختلفة – وكذلك إلى أسماء إعلامية عربية لها حضورها وتأثيرها.
كنتُ واحدًا من هؤلاء الذين حملوا الدعوة للعاصمة (طرابلس) بين أيديهم، لكنني لم أدرك حينها أن الدعوة لم تكن مجرد مشاركة.. كانت رحلة قلب، ومشهدًا اجتماعيًا تلتقي فيه الوجوه العربية تحت سقف واحد، وتتجاوز فيه السياسة حدودها لتبقى المودّة هى اللغة الباقية.
(طرابلس) في تلك الليلة لم تكن مدينة تستقبل ضيوفًا.. بل كانت عاصمة عربية من نبض الناس، تسعى لأن تقول للعالم أجمع إن الإعلام – قبل أن يكون صناعة – هو علاقة إنسان بإنسان، ولغة محبة، وذكرى، وقصة تُروى.

الوجوه المندهشة والسؤال الغريب
وصلتني الدعوة بصفة رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب.. دعوة خاصة تحمل توقيعًا عربيًا قبل أن تحمل ختمًا رسميًا.. لكن الوصول إلى طرابلس لم يكن سهلًا؛ فالطيران المباشر بين القاهرة وطرابلس غائب، وكل رحلة إليها تحتاج إلى صبر يشبه صبر العاشق حين ينتظر موعده.
أبلغوني أن هناك مقعدًا واحدًا فقط متاحًا في الدرجة الأولى، ومنحوني تذكرة (القاهرة – إسطنبول)، ثم (إسطنبول – طرابلس).. رحلة تتخطى الجغرافيا لتدخل في لعبة السياسة والمصادفات.
جلستُ في ترانزيت إسطنبول ساعة واحدة.. ساعة طويلة بما يكفي لتتساءل: ما الذي ينتظرني في (طرابلس)؟، ومن سأصادف في الطريق؟
ركبت الطائرة الثانية، وجلست بجوار سيدة وقورة في الخمسينات من عمرها، ملامحها تبعث على الاحترام، تتحدث بترتيب امرأة تُدرك جيدًا معنى المنصب والمسؤولية.
تحدثتُ معها بعفوية، وخرجت اللهجة المصرية من فمي دون تفكير، فرفعت رأسها نحوي وسألت بابتسامة مستغربة: (إنت مصري؟).
أجبتها: (أيوه يا فندم.. مصري).
ثم سألتني: (أكيد بتشتغل في إسطنبول؟).
قلت لها بهدوء: (لا.. أنا قادم من القاهرة، وإسطنبول مجرد ترانزيت).
لمحت في وجهها دهشة صادقة، كأنها تحاول أن تفهم كيف يجلس بجوارها مصري قادم من القاهرة في طريقه إلى (طرابلس) في هذا التوقيت السياسي.. كانت حائرة، وقلبها يسبق عقلها في الأسئلة.
لم أتركها في حيرتها طويلًا.. ابتسمت وقلت لها: (أنا جاي من القاهرة.. من بلد الرئيس السيسي).. تغيرت ملامحها – ليس خوفًا ولا تحفظًا – بل فضولًا عربيًا نقيًا: من هذا الرجل الذي يسافر من القاهرة إلى (طرابلس) عبر مطار إسطنبول في ظروف سياسية لا تعبُرها الطائرات بسهولة؟
وفي اللحظة التي بدأ خيالها يصوغ سيناريوهات سياسية، قطعت عليها خيط الأسئلة وقلت: (أنا جاي بصفتي العربية.. من الجامعة العربية.. ممثّلًا للاتحادات النوعية لحضور احتفالات (طرابلس) كعاصمة للإعلام العربي).
انتهت الحيرة، وبدأ الحديث الجميل.. تحدثنا عن العلاقات الشعبية بين مصر وليبيا، العلاقات البعيدة كل البعد عن السياسة، القريبة كل القرب من القلب.
وحكيت لها عن تلك الليلة التي لا تُنسى في القاهرة، حين دعوتُ رموز الفن الليبي من الأطراف الثلاثة المتخاصمة، وجمعتُهم على مسرح واحد في (مونديال القاهرة للإعلام العربي).. كيف بكوا بصدق.. وكيف بكت القاهرة معهم حين شاهدت ليبيا المتفرّقة تجتمع – ولو لساعات – كشعب واحد.. على خشبة مسرح واحد.. وكيف وقف الفن، يومها، أقوى من السلاح وأقرب إلى الحقيقة من السياسة.

دهشة المطار وبداية الحكاية
وأنا – كاتب هذه السطور – لم أكن في تلك اللحظة مجرد مسافر في طائرة، بل كنت أحمل على كتفي جزءًا من الحكاية العربية.. حكاية تؤمن أن الشعوب قادرة على اللقاء حتى حين تختلف الحكومات.
عندما بدأت الطائرة في الهبوط فوق (طرابلس)، كنت أشعر أن قلبي يهبط معها.. ليس خوفًا، بل شعورًا بأنني على وشك دخول فصل جديد في حياتي، فصل لا يشبه أي سفر سابق.
كنت أدرك تمامًا أنني – شاء القدَر – أصبح أول مصري يدخل (طرابلس) منذ فترة المقاطعة بين القاهرة والغرب الليبي، منذ شدٍّ سياسي معقّد وحضورٍ إخواني ازداد في تركيا وامتدّ إلى طرابلس نفسها.. لذلك، لم يكن وصولي مجرد سفر.. كان حدثًا غير متوقع، بل وربما غير معقول لدى البعض.
السيدة الوقورة التي جلست بجواري – وقد اكتشفت لاحقًا أنها وكيلة وزارة في الحكومة – لم تُخف دهشتها للحظة.. قالتها بصراحة عربية لا تعرف المجاملة: (مش معقول… مصري جاي طرابلس)؟، ومسافر من إسطنبول إلى هنا؟، وممكن يكون من رجال السيسي؟!: إزاي؟
كانت كلماتها تخرج بنَفَس واحد – دهشة، وتساؤل، وشيء يشبه القلق.. كانت ترى المشهد بعيون السياسة، أما أنا فكنت أراه بعيون الإنسان العربي الذي يحمل دعوة رسمية وقلبًا مفتوحًا على التواصل قبل أي شيء آخر.. ابتسمت لها، فلم أرد أن تتحول الحيرة إلى توجس، ولا الدهشة إلى تأويلات.
قلت لها بهدوء: (أنا جاي ممثّلًا للاتحادات النوعية والمهنية في جامعة الدول العربية.. ومدعو رسمي، وليّ كلمة في حفل الافتتاح).
تغيّرت نبرة السيدة فورًا، تحول الاستغراب إلى ترحيب، والاحتياط إلى احترام.. رحّبت بي بطريقتها الليبية الدافئة، وكأنها تحولت من مسؤولة تسأل إلى أختٍ عربية تفخر بالضيف القادم من مصر.
وعندما نزلت من الطائرة إلى أرض (طرابلس)، شعرت أن الهواء يحمل شيئًا خاصًا.. لا هواء السياسة، بل هواء مدينة تريد أن تستقبلني لأنني جئت بصوت عربي واحد، لا بصوت خلافات لا تنتهي.
كنت أسير وسط المطار وأفكر في الصدفة الغريبة: كيف أنني – دون قصد – أصبحت أول مصري يعبر هذه البوابة منذ سنوات الشدّ السياسي؟.. كيف انتقلتُ من مقعدٍ بجوار سيدة لا تصدّق وجودي هنا إلى لحظة استقبال تحمل معنى أكبر مما توقعت؟
لم أتفاجأ من الترحيب الذي وجدته بعد ذلك، فالليبيون – كما أعرفهم – أهل كرم وقلوبهم مفتوحة.. لكنني أدركت أن اللحظة كانت أكبر من الترحيب.. كانت علامة، إشارة أن حضور مصر – ولو بشخص واحد – لا يمرّ مرورًا عاديًا.
كنت هناك.. ممثّلًا لجامعة الدول العربية، وللاتحادات النوعية، ومدعوًا لاعتلاء منصة الافتتاح.. لكنني، في داخلي، كنت أمثّل شيئًا أعمق: كنت أمثّل مصر بين أهلها.
لم أكن أتخيّل أن ليلة واحدة في (طرابلس) ستظل محفورة في قلبي، كأنها مشهد من رواية كنتُ أقرأها يومًا، ثم وجدت نفسي بطلها فجأة.


رئيس الوزراء في نهاية البروتوكول
كانت القاعة مضاءة بضياء دافئ، مزدحمة بكل الوجوه اللامعة.. وزراء، مسؤولون، وجوه يعرفها العالم.. لكن وسط كل هذا الحشد، كنتُ أنا – المصري الوحيد على المسرح – ولوهلة شعرت أن اللهجة المصرية التي انطلقت من فمي قبل الخطاب، كانت مثل نبضة حياة سرت في القاعة كلّها.
تكلمت.. لا كما يتكلم مسؤول، بل كما يتكلم مصري يرى في كل عربي أخًا من لحم وصداقة وذاكرة.. ولمحت في العيون تلك اللمعة التي لا تُدَّرَس في البروتوكولات: لمعة المودّة.
كان المتحدثون قبلي يسيرون بخطوات محسوبة، يقطعون المسافة الطويلة بين المسرح والصف الأول ليصلوا إلى رئيس الوزراء في نهاية البروتوكول.. هكذا جرت العادة.. هكذا يفعل الجميع.
لكن ما حدث بعد كلمتي لم يكن عاديًا.. ولا بروتوكولًا.. قبل أن أخطو أنا خطوة واحدة، رأيته – رئيس الوزراء – يتحرك نحوي.. ترك الصف الأول، وتقدّم.. كأن المسافة بيننا أقصر من أن تحتاج إلى مشي رسمي طويل.
توقفت الدنيا للحظة، وعندما التقينا في منتصف الطريق، فتح ذراعيه، واستقبلني بالأحضان.. ليس كمسؤول يستقبل ضيفًا، بل كأخ يستقبل أخاه.
لم أكن أتوقع أن أعيش تلك اللحظة.. ولا أن أشعر بهذا الصدق الدافئ، الذي لا يصنعه الإعلام ولا السياسة، بل يصنعه القلب حين يعترف بالقرابة الإنسانية قبل أي انتماء آخر.
جلستُ بعدها في الصف الأول، بجوار الوزراء والمسؤولين، كأن القدَر أعاد ترتيب الجلسة لا لشيء.. إلا ليقول لي: (هذا مكان مصر في قلوب الناس.. قبل أن يكون مكانك أنت).
وفي لحظة التكريم، عندما صافحني الحضور واحدًا تلو الآخر، لم يكن حديثهم عن الدراما ولا الإعلام ولا الخبرة.. كان كل الكلام عن مصر، عن لهجتنا التي تعيش في البيوت العربية كلها، عن محبة لا تعترف بخلاف سياسي ولا بحدود على الخرائط.
وأنا – وسط هذا كله – أدركت شيئًا واحدًا.. هى حقيقة أنّ العرب، رغم اختلافاتهم، يحبون مصر.. وأنّ مصر، كما علّمتنا دائمًا، تحبهم أكثر.