رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: (بلطجة المجتمع).. وبلطجة الدراما!

بهاء الدين يوسف يكتب: (بلطجة المجتمع).. وبلطجة الدراما!
أقدمت والدة تلميذ على دهس زميلته بسيارتها حتى تأكدت من مصرعها

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

حينما قرأت خبر إقدام والدة تلميذ على دهس زميلته بسيارتها حتى تأكدت من مصرعها، فركت عيني مرة واثنتين، وما أن انتهي من قراءة الخبر أعود مسرعا الى بدايته من جديد أملا في أن يكون قد فاتني تفصيل ما يقول أن الجريمة وقعت في أمريكا أو أي دولة غربية، فما حدث نوع غير مألوف من (بلطجة المجتمع) لم يسبق أن شاهدنا مثله من قبل في مجتمعنا.

ماذا حدث للمصريين؟!.. السؤال كان عنوان دراسة تحليلية اجتماعية للراحل الكبير جلال أمين يرصد فيها التغيرات التي حدثت على سلوكيات المصريين والتحولات المجتمعية التي نتجت عن سياسة الانفتاح الاقتصادي في منتصف سبعينات القرن الماضي، بما ترتب عليه من صعود طبقات وتراجع الطبقة المتوسطة، إلى جانب ظهور وازدهار العنف الديني.

ظني أن جلال أمين لو ظل حيا حتى الآن سوف يحتاج إلى أكثر من دراسة لتحليل ما الذي يحدث للمصريين، من (بلطجة المجتمع)، وأسباب الميل الواضح والمؤسف للعنف في سلوكيات العديد من الفئات التي ظلت لعقود طويلة تصنف ضمن الفئات المسالمة، التي تميل إلى حل النزاعات التي تنشأ فيما بينها في إطار القانون والأعراف والتقاليد المجتمعية الحاكمة.

في اعتقادي الشخصي أن الميل المتزايد نحو العنف في مصر في العقدين الأخيرين تتحمل مسؤوليته بدرجة كبيرة الدراما، التي تشجع في مجملها البلطجة، وتعظم من قدر (بلطجة المجتمع) واللصوص على حساب المواطنين المحترمين الذين يتبعون القانون ويميلون نحو الحلول المسالمة.

بهاء الدين يوسف يكتب: (بلطجة المجتمع).. وبلطجة الدراما!
محمد رمضان
بهاء الدين يوسف يكتب: (بلطجة المجتمع).. وبلطجة الدراما!
عمرو سعد

الفتونة والبلطجة المقننة

ففي عصر (محمد رمضان وعمرو سعد) وغيرهما من نجوم الفتونة الكاذبة والبلطجة المقننة دراميا، سادت أفكار جديدة وسامة بين الأجيال الجديدة، مفادها أن اللجوء للشرطة ضعف، واحترام القانون انتقاص من الرجولة يتوجب على من يلجأ إليه أن يستتر.

وأن التصرف الأمثل لحل كل المشاكل التي تواجه الرجل الحر الشريف هى أخذ حقه بيده، حتى لو كان ما يفعله خارجا عن القانون، وحتى لو كانت تصرفاته ينتج عنها أضرار بالغة مثل القتل أو التسبب في إصابات كبيرة لخصومه.

ففي دراسة للباحثة (منة الله حسين) ونشرت في مجلة البحوث العلمية العام الماضي، رصدت تأثيرات الدراما على سلوكيات عينة من الشباب تتضمن 369 شابا وفتاة، انتهت الى تأثر أغلب أفراد العينة بالدراما في سلوكياتهم الحياتية، كما كشفت أن تأثرهم بالسلوكيات الخاطئة أكبر من تأثرهم بالسلوكيات الإيجابية، مثل القتل والعلاقات خارج إطار الزواج.

كذلك انتهت دراسة قام بها الباحث حسين خليفة عام 2022 عن التأثير الاجتماعي لمشاهد العنف الدرامي على الشباب، إلى نتائج مفزعة خاصة حين أكد 75.3% من المبحوثين أن سبب مشاهدة مشاهد العنف هو واقعيتها، وذهب 74.3% منهم إلى أنها تثير الجرأة، كما أظهرت الدراسة أن من أهم آثار المشاهدة شعور أن المجتمع كأنه غابة وان استعادة الحقوق يجب أن تكون بالقوة.

اذن فقد بلغ الأمر حدا مخيفا من (بلطجة المجتمع) ينذر بتوابع غير محمودة مجتمعيا، خصوصا في ظل غياب ملفت لجهات إنفاذ القانون في المجتمع، وترسخ حالة من انعدام الثقة المتبادلة بين قطاعات غير قليلة من الشعب وبين تلك الجهات خصوصا الشرطة، وربما كان هذا ما دفع الرئيس السيسي في أكثر من مناسبة لانتقاد الدراما المصرية التي تروج لقيم بعيدة عن قيم المجتمع الطبيعية.

بهاء الدين يوسف يكتب: (بلطجة المجتمع).. وبلطجة الدراما!
الدراما تشجع الأطفال والشباب على تبني سلوكيات غير ايجابية،

انتشار دراما العنف

ورغم اندفاع أكثر من جهة وأكثر من شركة إنتاج وتوزيع لتشكيل لجان درامية ومجالس متخصصة، للإيحاء بأنها تنفذ توصيات الرئيس، إلا أن المشكلة البسيطة تكمن في أن معظم تلك الجهات والشركات، إن لم تكن كلها، هى المسؤولة الأولى والوحيدة عن انتشار دراما العنف والبلطجة، فكيف تكون هى الجاني وفي نفس الوقت تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحلول؟!

تقول الحكمة: (ما أشبه اليوم بالبارحة)، ففي ستينات أو سبعينات القرن الماضي، حدث أن سقط طفل من فوق سطح منزله ولقي مصرعه فورا، بعدما حاول تقليد شخصية (فرافيرو) البطل القادر على الطيران، التي قدمها الفنان فؤاد المهندس في فيلم (العتبة جزاز) مع رفيقة مشواره الفني والحياتي شويكار.

وقتها تشكلت اللجان وانعقدت المؤتمرات وانبرى أصحاب الخطابة لانتقاد الدراما التي تشجع الأطفال والشباب على تبني سلوكيات غير ايجابية، وكالعادة تمخض الجبل فولد توصيات وبيانات لم تحظ بالتنفيذ.

لأن الحقيقة البسيطة تفيد أن تقديم دراما مسؤولة هادفة تسعى لنشر سلوكيات إيجابية هو عمل غير مربح للمنتجين، وفي ظل شعار لا صوت يعلو على صوت الفلوس يصبح الرهان على إحداث تغيير حقيقي حلم مؤجل عبر (بلطجة المجتمع)!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.