
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
ضمن مرحلة التشوه الجماعي التي نعيش فيها خلال السنوات الأخيرة، تأتي قصة الصحفيين الذين يعملون في وظيفة (مستشارإعلامي) لرجال أعمال، بعضهم في العلن وأكثرهم في الخفاء، وهو أمر يؤثر بالتأكيد على نزاهتهم المفترضة كممثلين للسلطة الرابعة التي من شأنها أن تكون رقابية على رجال السياسة والمال، فكيف يمكن لإنسان أن يراقب وينتقد اذا كان هو نفسه جزء من ذلك العالم الذي ينتقده؟!
راودتني الفكرة بعدما طالعت في الأيام الماضية كتابات لبعض الصحفيين المرموقين المحسوبين بشكل انطباعي وغير موضوعي ضمن صفوف المعارضة، بينما هم في الحقيقة يعملون ويكسبون رزقهم من العمل كـ (مستشار إعلامي).
أو بالأحرى (سكرتارية إعلامية) لرجال أعمال من هؤلاء الذين يقال عنهم ليسوا فوق مستوى الشبهات، واستبدل هؤلاء العمل في بلاط الجلالة بالخدمة في بلاط أصحاب المال والأعمال.
ربما يدافع البعض عن هؤلاء الزملاء الصحفيين بأن ما يدفعهم لتسليم نزاهتهم المهنية لمن يدفع أكثر، هى ظروف الحياة باتت قاسية، والأسعار الملتهبة خرجت عن سيطرة دخول الصحفيين المتدنية.
خاصة في زمن تحولت فيه الدولة من عنصر داعم ومساعد للشعب على الحياة، إلى قوة ضغط أساسية عليه بعد تخليها عن دورها الاجتماعي في توفير سبل الحياة لأبناء شعبها، متجاهلة حقيقة أن أكثر من ثلاثة أرباع إيراداتها العامة تأتي من الشعب نفسه عبر حصيلة الضرائب.
مع التسليم بأن معظم الصحفيين مثل أغلب أبناء الطبقة الوسطى في مصر يعانون في السنوات الأخيرة من ظروف معيشية بالغة القسوة، وهو ما دفع بعضهم – ولا يزال – للبحث عن فرص لزيادة الدخل من خلال العمل في القنوات الخاصة، أو كـ (مستشاري إعلامي) في الوزارات أو لرجال أعمال، وكل هذا يمكن استيعابه إذا استطاع الصحفي الالتزام بالهامش الوهمي بين مهنته ومصدر دخله.
بمعنى أن يكون عمله الإضافي غير مرتبط ولا مؤثر على عمله الأساسي، وهو توازن لا يصعب بلوغه حاليا بفضل الانخفاض الواضح في سقف الحريات المهنية، لكن ما لا يمكن احترامه حين يكرس أحد من كانوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم (آلهة النزاهة المهنية) فكره وجهده لدس السم في العسل.
ويسعى بخبث وتدليس واضحين لتبييض صفحة رجل الأعمال الذي يعمل لديه، وتقديمه لمن لا يعرفوه باعتباره رجل الصناعة او الاقتصاد الوطني الأول، وأن لولا إسهاماته البارزة في الاقتصاد الوطني وفرص التشغيل التي منحها للشباب، لكانت مصر تتسول على أبواب المساجد، وكان شبابها يجلسون على المقاهي.

تعظيم الحسابات البنكية
أتذكر أنني عاصرت في صحيفتنا العريقة (الأهرام)، في تسعينات القرن الماضي، جدالا ساخنا حول المسافة التي يجب أن تفصل بين الصحفي والمصدر، وذلك بعد أن تحول بعض الصحفيين من مندوبين للجريدة لدى جهات معينة، إلى مندوبين لتلك الجهات لدى الجريدة.
يكتبون ما يريده المسؤول أو رجل الأعمال، ويدافعون عن أي إخفاق، باختصار كانوا يتحدثون بلسانه وليس بلسان الشعب الذي يفترض أنه مالك الصحف القومية.
كان كبار الصحفيين أصحاب القامات المهنية المحترمة في الأهرام في ذلك الوقت، يتصدرون صفوف المنتقدين لذلك التحول في الأداء المهني، ويحذرون من تبعات ارتماء المهنة في احضان المال على المدى البعيد، وهو أمر كفيل بتحول شعارها من مهنة البحث عن المتاعب إلى مهنة البحث عن تعظيم الحسابات البنكية، أو البحث عن فيلا وسيارة وشاليه في الساحل.
ووصل الطرفان المتجادلان إلى حل وسط خاصة بعد أن أيقن المعارضون أن المد مرتفع والموجة بلغت من الهياج ما لا يمكن معه إحباطها، في عصر كانت الدولة نفسها تتجه فيه نحو الخصخصة وتعظيم ثقافة الربح على أي قيمة أخرى.
وتوصل الطرفان إلى صيغة تحافظ على مصداقية الصحف أمام قرائها، وتضمن ألا تؤخذ بذنب الصحفيين النهمين للمال، وذلك من خلال السماح بنشر تحقيقات ومقالات تنتقد الجهات والأشخاص (المشترين) للمهنة والعاملين فيها.
كان هذا الجدال دائرا وساخنا رغم أن معظم الصحفيين الذين انحرفوا عن الطريق المهني القويم كانوا يمارسون ذلك في العلن ولا يدعون بطولة زائفة أو معارضة شكلية، مثلما يحدث الآن، وهو ما يعظم من مخاطر ما يحدث الآن.
إذ أن الخسارة لن تقتصر فقط على فقدان كاتب أو صحفي لمصداقيته بين قرائه، ولكنه يتعدى ذلك إلى ضياع ما تبقى من احترام لمهنة الصحافة لدى الدولة ولدى أصحاب المال أنفسهم، والأسوأ من ذلك كله لدى الشعب.