


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
لم يعد المشهد في (مهرجان الموسيقى العربية) مجرد خلاف عابر حول مطرب اعتذر، أو ميزانية لم تكفِ، أو برنامج اختلف عليه هذا الفنان أو ذاك.. الحكاية أكبر من ذلك بكثير.. وأخطر! لأن ما جرى كشف شيئًا لا تحب الكواليس أن يظهر إلى النور: هناك من يريد أن تتحدث المؤسسة الثقافية بلغة المجاملة، حتى لو كانت الحقيقة مختلفة، وهناك من يرى أن أي حديث عن المال أو الإدارة أو حقوق العاملين هو خط أحمر، وأن الدكتور (رضا الوكيل) عليه أن يبتلع الحقيقة ويبتسم أمام الكاميرات!
لقد ظهر الدكتور (رضا الوكيل) في مؤتمره الصحفي.. لا ليبيع الوهم، ولا ليُغرق المهرجان في استعراض أجور ونجوم، وإنما ليتحدث عن الإمكانات المالية، وعن محاولة ضبط الميزانية، وعن حقوق العاملين، وعن قدرة الفنان المصري على حمل مهرجانه فوق كتفيه، لكن مؤامرة واضحة كانت تقف له بالمرصاد على الطرف الآخر من اللعبة القذرة، أرادها شخص يضمر شرا وحقدا دفينا لمصر، وساعده بعض الصحفيين الذين اجتزؤا مقاطع من حديث الرجل وروجوا لها، كما ظهر جليا قناة (mbc مصر) عندما كشرت عن وجهها القبيح بامتداد الهجوم على الوكيل.
نعم، يمكن الاختلاف مع نبرة بعض عباراته، وهذا حق مشروع، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى حملة اتهامات وتأويلات من جانب من جندهم رجل موسم الرياض المنتفخ، من أولئك الذين راحوا يكيلون الاتهامات للوكيل بأنه تسبب في الأزمة، هو بالضبط ما يستحق أن نتوقف أمامه، وأيضا ما يتعلق بإعلان الانسحاب من جانب بعض الفنانين الذين يعملون لمصالح فردية ساعين لإضافة ملايين الدولارات لحساباتهم البنكية ليس إلا.
والأكثر إثارة أن (رضا الوكيل)، عندما اشتدت العاصفة، لم يتصرف بمنطق (المنصب أولًا)، ولم يفتح بازارًا من الشتائم والردود، وإنما أعلن اعتذاره عن الاستمرار بلغة تكشف عن طبيعة شخصيته، مؤكدًا أنه لا يريد أن يكون سببًا في مشاكل أو عداوات مع أصدقائه، وأنه لا يقبل أن يتحكم أحد في اختياراته لفنان مصري يقف إلى جواره ثقةً في موهبته وحب الجمهور – ربما يقصد آمال ماهر – وهذا يفسر مفتاح اللغز الذى أغرى منتقديه بكسب المعركة، ومحاولة عرقلة قيام دورة مهرجان الموسيقى العربية الـ 34.
يا سادة.. المشكلة ليست في (رضا الوكيل)!.. فلنضع الأوراق على الطاولة بلا رتوش: محمد ثروت اعتذر.. علي الحجار زايد على المهرجان.. تصريحات هاني فرحات خرجت للعلن.. أمير عبد المجيد دخل على خط الجدل.. وهذا نوع من الجحود أراه غير مبرر من وجهة نظري الشخصية، خاصة أن حديث محمد الموجي أوضح الرؤية والاختيارات والميزانية.. ومن ثم أعلن (رضا الوكيل) اعتذاره عن الاستمرار.

الوكيل تحدث صراحة
فهل الرجل هو الذي صنع كل هذه الملفات؟ أم أنه فقط كان أول من قرر أن يتكلم بصوت مرتفع داخل غرفة اعتاد البعض فيها أن يتحدث همسًا؟ المؤكد، بحسب ما ورد في النص المرفق، أن الوكيل تحدث صراحة عن محدودية الإمكانات المالية، وكشف أن عمر خيرت تقاضى نصف أجره المعتاد دعمًا للمهرجان، مع توجيه الموارد بصورة أفضل لمرتبات مطربي الأوبرا.
وهنا نسأل أصحاب نظريات الغضب المدفوع بثمن مؤجل: ما الخطأ في أن يهتم رئيس مؤسسة بحقوق العاملين؟ هل الأفضل أن يملأ البرنامج أسماء لامعة، ثم يكتشف الموظف والفنان بعد انتهاء التصفيق أن مستحقاته تأخرت؟.. هل هذا يعقل في ظل الأزمة الاقتصادية الضاغطة على حياة هؤلاء الناس؟
الوكيل نفسه تحدث بوضوح عن رفضه أن ينتهي مهرجان مدته 11 يومًا ثم يواجه العاملون مشكلات في صرف مرتباتهم خلال الأشهر التالية، مؤكدًا أن ضبط الميزانية مرتبط بالحفاظ على حقوق الفنانين والعاملين، وهذا في حد ذاته هدف نبيل لايهين الفن المصري كما تشدق بعض الفنانين الموتورين، الذين يرون في خفض الميزانية إهانة لهم وللفن المصري!
هذه ليست جريمة إدارية.. هذه مسؤولية! يريدون مهرجانًا بالفلوس.. لكن من أين تأتي الفلوس؟ في ظل أزمة اقتصادية خانقة تمر بها البلاد – وربما خجل الدكتور الوكيل أن يتعرض لها مباشرة – ولعل الجزء الأكثر غرابة في القصة أن البعض يتعامل مع الميزانية كما لو أنها تفصيل ثانوي!
وكأن لسان هؤلاء يقول: نريد نجمًا.. نريد نجمين.. نريد عشرة نجوم.. نريد أسماء عربية كبيرة.. نريد حفلات ضخمة.. ونريد كل ذلك فورًا!.. ويبدو هذا جميل جدًا، لكن السؤال الذي لا يريد البعض سماعه: من سيدفع في ظل الأزمة الحالية التي تنسحب على حياة المصريين جميعا؟
(رضا الوكيل) قال بوضوح إن بعض الدول لديها إمكانات مالية أكبر، وإن المقارنة في الموارد قائمة بالفعل.. وقد يرى البعض أن الصياغة لم تكن مناسبة لمنصب رئيس الأوبرا، وهذا اختلاف يمكن مناقشته، لكن هل مجرد الحديث عن الفارق المالي أصبح الآن ممنوعًا؟ هل إذا قلت إن بلدًا يمتلك إمكانات أكبر أكون قد أسأت إليه؟ أم أننا وصلنا إلى مرحلة يريد فيها البعض من المسؤول المصري أن يعيش في عالم افتراضي لا توجد فيه أرقام ولا ميزانيات ولا أولويات؟
(رضا الوكيل) لم يقل إن الفنان العربي لا قيمة له.. وهنا تحديدًا تبدأ عملية ليّ الكلام.. بحسب رده المنشور، فقد نفى جملة وتفصيلا أن يكون حديثه تقليلًا من شأن الفنانين العرب، وأكد أن مصر ودار الأوبرا تمتلكان عددًا كبيرًا من الفنانين المتميزين القادرين على تقديم مهرجان ناجح، وأن حديثه انصب على قدرة الفنانين المصريين على إنجاح المهرجان في ظل الميزانية المتاحة.

ليس انتقاصًا من الفنان العربي
إذن لماذا نصر على اختراع معنى آخر؟.. لماذا يريد البعض أن يسمع (إهانة) بينما الرجل يتحدث عن القدرة الفنية المصرية؟.. منذ متى أصبح الدفاع عن الفنان المصري انتقاصًا من الفنان العربي؟.. ومن قال أصلًا إن مهرجان الموسيقى العربية لا ينجح إلا إذا استورد نجومه من الخارج؟
هذه هى النقطة التي أوجعت البعض.. ربما لأن الرجل قال شيئًا بسيطًا لكنه ثقيل: الأوبرا لديها فنانون، ولديها فرق، ولديها أسماء، ولديها تاريخ، وبإمكانها أن تقدم مهرجانًا كبيرًا بإمكانات محدودة، كما قال، بدل أن تتحول الفكرة إلى سباق لا ينتهي وراء أعلى أجر وأضخم اسم، هل نظر البعض مليا إلى تجارب دول أخرى من حولنا تركز على الفنان المحلي أولا في كل مهرجاناتها؟
وهذا تحديدًا هو الفارق بين من يفكر في إدارة مؤسسة، ومن يفكر فقط في شكل البوستر.. الصورة تلمع.. التصفيق يعلو.. الترند يتحرك.. ثم ماذا؟ من يدفع الفاتورة؟ الرجل كان يفكر في اليوم الذي يلي المهرجان.. في الإدارة الحقيقية، لا قيمة للمشهد الذي ينهار بعد انتهاء الحفل.
المسؤول المحترم لا يسأل فقط: كيف ننجح الليلة؟ بل يسأل: ماذا سيحدث غدًا؟ ولهذا جاء حديث الوكيل عن رواتب الفنانين ومستحقاتهم، وعن ضرورة ألا يخرج المهرجان ناجحًا في الصورة وفاشلًا في الحسابات.. وأقولها بصراحة مطلقة: هذا حقه وهذه طريقة إدارته الرشيدة.
هذه ليست عقلية رجل يريد إرضاء الجميع.. هذه عقلية رجل يعرف أن المال العام مسؤولية، وحين اشتعلت النيران.. اختار الأخلاق.. قد يختلف البعض مع (رضا الوكيل) في الإدارة، وقد يختلفون مع برنامجه، وقد يعترضون على بعض تصريحاته المجتزأة بشكل متعمدغير السياق.. كل ذلك طبيعي، لكن الذي لا يمكن تجاهله هو طريقته في إدارة لحظة الانفجار بعصبية مفرطة ومدفوعة بأيد خفية تلعب من خلف الستار.
في بيانه، قال إنه لا يريد أن يكون سببًا في مشاكل أو عداوات مع أصدقائه الداعمين لأحد، وأكد استعداده لأن يبقى حاضرًا كفنان وصديق في الأعمال التي يكلف بها.. هل هذه لغة رجل يريد إحراق المؤسسة؟ هل هذه لغة شخص جاء ليصفي حساباته؟ أم أنها، على العكس، لغة رجل يحاول أن يخرج من المعركة بأقل قدر ممكن من الخسائر الإنسانية؟

شهادة في حق رضا الوكيل
الأخلاق لا تظهر عندما يكون الجميع معك.. الأخلاق تظهر عندما يختلف معك الآخرون، وهنا تحديدًا، يستحق رضا الوكيل شهادة لا تمنحها المناصب ولا البيانات: شهادة رجل حافظ على مساحة الاحترام حتى وهو داخل العاصفة المفتعلة التي أرات النيل منه، لكنه بحكمته أدرك خطورة الموقف فتراجع عن الاستقالة على الفور، حتى لايفتح المجال للفوضى.
ومن قال إن الاستقالة هزيمة؟ ربما كان أسهل على (رضا الوكيل) أن يبقى، وأن يدافع عن الكرسي، وأن يرد على كل منتقد، وأن يدخل في حرب تصريحات لا نهاية لها.. لكنه اختار الانسحاب، وهذه ليست بالضرورة هزيمة، بل تعكس شجاعة ونبل أخلاق.
أحيانًا يكون أصعب قرار يتخذه المسؤول هو أن يقول: لن أجعل المنصب سببًا في كسر علاقاتي أو تحويل المؤسسة إلى ساحة معارك، وقد انعكس ذلك في ردود الفعل داخل الأوبرا، حيث عبّر عدد من أبناء المؤسسة والعاملين بها عن تمسكهم ببقائه، وطالبوا بعدم قبول استقالته ومنحه فرصة لاستكمال ما بدأه.
وهذه الشهادة، مهما اختلفنا حولها، لا يمكن تجاهلها، فالذين يعملون داخل المؤسسة هم الأقدر على رؤية ما يحدث فيها يوميًا.. لا تحولوا الخلاف إلى اغتيال معنوي.. وأؤكد من جديد: نقد (رضا الوكيل) حق.. لكن اغتياله معنويًا ليس نقدًا، خاصة من جانب أصحاب المصالح الفردية المدفوعة بفعل شيطان آثم قلبه وعقله.. مراجعة تصريحاته حق، لكن اختراع نيات له ليس نقدًا.. مناقشة ميزانية المهرجان حق.. لكن تحميله وحده كل أزمة تراكمت خلال سنوات ليس نقدًا.
ومن أخطر ما في الأزمة أن تتحول بعض الاستنتاجات إلى حقائق، وأن يصبح الكلام عن (أيادٍ خفية)، أو (مصالح)، أو (ارتباطات)، لكنه اتضح جليا في قلب الأزمة التي طفت على السطح خلال الأيام القليلة الماضية من جانب المنتفعين من الرجل الغامض من خلف ستار شفاف يكشف هويته، وظني أن الدفاع عن (رضا الوكيل) لا يحتاج إلى هذا كله.. الرجل يمكن الدفاع عنه بما قاله هو، لا بما نتخيله نحن.
المشكلة الحقيقية ليست في الشخص.. بل في العقلية.. القضية التي كشفتها أزمة مهرجان الموسيقى العربية أعمق من (رضا الوكيل) نفسه.. إنها تكشف صراعًا قديمًا داخل المؤسسات الثقافية بين من يريد إدارة واقعية، وبين من يريد دائمًا الصورة الأكثر لمعانًا مهما كانت التكلفة، وتلك آفة عصرنا الحالي.
بين من يسأل عن الراتب، ومن يسأل عن النجم.. بين من ينظر إلى العام المقبل، ومن يريد أن ينجح هذا المساء فقط.. (رضا الوكيل)، في روايته المنشورة، كان يحاول أن يوازن بين كل ذلك.. قد يصيب، وقد يخطئ، لكن من الظلم أن يصبح مجرد حديثه عن الميزانية دليل إدانة.

كلمة أخيرة إلى (رضا الوكيل):
دكتور (رضا الوكيل..) لا تحتاج إلى معركة كي تثبت أنك كفء.. ولا تحتاج إلى كرسي كي تثبت أنك قادر على الإدارة.. يكفي أنك دخلت المؤسسة من باب الفن، وعشت داخلها، وتعاملت معها كما وصفها بيانك: (دار الأوبرا المصرية.. بيتنا الثاني).
ويكفي أن تقول إن حقوق الفنانين والعاملين ليست بندًا هامشيًا، ويكفي أن ترفض أن تتحول الاختيارات الفنية إلى مساحة يتحكم فيها أحد من خارج قناعتك المهنية – وفق روايتك المنشورة – أما ما تبقى من ضجيج، فسيذهب مع أول ستارة تُرفع وأول نغمة تبدأ على مسرح المهرجان.
وسيظل السؤال: هل خسر (رضا الوكيل) معركة المنصب.. أم أنه كسب شيئًا أكثر أهمية: أن يخرج من الأزمة محتفظًا بكرامته، وبصورته كرجل يتحدث بوضوح، ويختلف بأدب، ويصر على حسابات المؤسسة، ولا يريد أن يحوّل أصدقاءه إلى أعداء؟ وفي زمن أصبحت فيه المناصب أحيانًا أكبر من أصحابها.. يظل أجمل ما يمكن أن يحمله المسؤول معه عندما يترك منصبه.. هو أخلاقه.
ولأجل كل مامضى أقول للمحترم الدكتور (رضا الوكيل): دعك من انتفاضة مزيفة من جانب أصحاب المصالح الذين وعدهم البعض بمكافأة الاشتراك في حفلات قادمة في موسم الرياض – كما ستثبت الأيام القادمة ذلك قريبا – وسر بخطى ثابتة على أرض الواقع المصري، رغم أنف بعض الآلاتية الذين يجيدون الصيد في الماء العكر.. والله المستعان.