رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة

محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة

محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة
تكمن واحدة من أكبر مشكلات مسلسل (حب ع ورق)، أنه حاول أن يضع الحب في مواجهة الخوف

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

(حب ع ورق).. حكاية جاذبة ولكن الحرفية هربت من المؤلف والمخرج ليقدما سوياً عملاً مترهلاً بأحداث ممطوطة، ورغم ذلك تتضمن حذفاً لما ينبغي حذفه، وكأنهما مع المنتج قد قرروا تقديم عمل يعاقبون به من يتجرأ على مشاهدته.

وإذا كانت الدراما الجيدة تعرف كيف تصنع العقدة، فإن الدراما الأفضل تعرف أيضاً متى تفكها، وإذا كان التشويق يقوم على دفع المشاهد إلى انتظار اللحظة التالية، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله أي مسلسل هو أن يجعل المشاهد ينتظر طويلاً، ثم يعود به إلى نقطة الصفر.

هنا تحديداً تكمن واحدة من أكبر مشكلات مسلسل (حب ع ورق)، المقتبس من العمل التركي (أنت أطرق بابي)، والذي حاول أن يضع الحب في مواجهة الخوف، والماضي في مواجهة الحاضر، والعاطفة في مواجهة الحسابات، لكنه في مراحل كثيرة وقع في فخ المط والتطويل، حتى أصاب الحكاية بترهل درامي واضح.

المسلسل، المعروض عبر منصة شاهد وقنوات MBC، بدأ من فكرة قابلة لبناء حكاية رومانسية اجتماعية ممتعة: لين، بائعة الورد الطموحة، وأوس، المهندس الناجح والثري الصارم، يلتقيان في ظروف تصنع بينهما صداماً يتحول تدريجياً إلى علاقة عاطفية، بينما تحيط بهما شبكة من الأسرار والعقد النفسية والحسابات العائلية والمهنية.

الفكرة في حد ذاتها ليست فقيرة، بل على العكس؛ فالشخصيات تحمل من الجروح والمخاوف ما يكفي لصناعة دراما أكثر عمقاً.. لكن المشكلة أن السيناريو لم يثق دائماً بقدرته على تطوير هذه الشخصيات، فاختار في أوقات كثيرة أن يمدد المواقف بدلاً من تعميقها، وأن يؤجل المواجهة بدلاً من استثمارها، وأن يعيد تدوير العُقد بدلاً من تفكيكها.

محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة

محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة
التطور الدرامي يفترض أن تكون كل حلقة خطوة إلى الأمام، حتى لو كانت خطوة صغيرة

هذا لا يصنع تشويقاً

كلما اقتربت الحكاية من الانفجار، أعادها المسلسل إلى نقطة الصفر؛ وهذه ليست ملاحظة عابرة على الإيقاع، وإنما مشكلة بنيوية أصابت المسلسل في مراحله المتقدمة، فالتطور الدرامي يفترض أن تكون كل حلقة خطوة إلى الأمام، حتى لو كانت خطوة صغيرة، أما أن تقطع الشخصية مسافة طويلة في الصراع ثم تعود في الحلقة التالية إلى المكان نفسه، فهذا لا يصنع تشويقاً بقدر ما يصنع إرهاقاً للمشاهد.

يصبح الأمر أكثر وضوحاً عندما نصل إلى واحدة من أكثر اللحظات التي كان يفترض أن تكون انفجاراً درامياً حقيقياً: خطف أيهم للين وإجبارها على الزواج منه، وهى النقطة التي انتهت عندها الحلقة 78، في تصعيد كان يمكن أن يفتح أبواباً واسعة للصراع والمواجهة وكشف الأسرار، وتناولت التغطيات الخاصة بالحلقة هذه الأزمة باعتبارها محوراً أساسياً للأحداث، ثم يتم القفز عليها لتبدأ الحلقة التالية بأوس ولين على شاطئ البحر، بينما أيهم وجدة لين في السجن.

من دون أن يمنحنا العمل الَمشاهد التي تشرح كيف حدث ذلك: كيف تمكن أوس من الوصول إليها؟ كيف تم القبض على أيهم؟ كيف انتهى مراسم عقد القران الذي كان مفروضاً على لين؟ ماذا حدث في المواجهة؟ ومن اتخذ القرار؟ وكيف انتقلت الشخصيات من الخطر إلى الأمان؟

كل هذه الأسئلة كان يمكن أن تتحول إلى مشاهد مليئة بالتوتر والانفعال والمفاجآت، لكن المسلسل اختار ببساطة أن يقفز فوقها.. السؤال هنا: إذا كانت اللحظة الأكثر إثارة في الحكاية يمكن حذفها، فلماذا تم بناؤها أصلاً؟

المشكلة ليست في الاختصار، فالاختصار فضيلة عندما يحذف الزائد، لكن حذف مشهد محوري يغير مصير الشخصيات ليس اختصاراً، بل تفريغ للحظة الدرامية من قيمتها، وفي ذات الوقت تضاف مشاهد من اللت والعجن الذي لا يحمل أي دلالات درامية.

هذا مثال صارخ على الأزمة التي عانى منها المسلسل طوال رحلته: يُطيل حيث يجب الاختصار، ويختصر حيث يجب التفصيل.. أما على المستوى النفسي، فقد امتلك (حب ع ورق) مادة ثرية.

أوس يعيش عقدة الفقد والخوف من تكرار الألم، ولين تحمل جرح فقد والديها وما ترتب عليه من رغبة مستمرة في إثبات الذات، بينما تتحرك جومانة داخل مساحة من الخوف على أسرتها ومكانتها وصورتها الاجتماعية، ويعيش مروان تحت وطأة الذنب والتبعية.

محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة
أنس طيارة
محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة
هيا مرعشلي
محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة
ريتا حرب
محمود حسونة يكتب: (حب ع ورق).. الحكاية جاذبة والأحداث ممطوطة
ديمة الجندي

عقدة الفقد والحماية المفرطة

هالة، التي كرست حياتها لتربية لين بعد فقدان والديها، تحمل عقدة الفقد والحماية المفرطة، بينما تعكس دانا عدم الأمان والمقارنة المستمرة، وتتحرك شخصيات أخرى مثل كريم وياسمين وأيمن وجولي وزينة داخل شبكة من العلاقات التي تمنح العمل اتساعاً درامياً.

هذه العقد، التي كان يمكن أن تكون أساساً لدراما نفسية قوية، تحولت أحياناً إلى مجرد مفاتيح لتحريك الأحداث؛ فبدلاً من أن نرى الشخصية وهي تواجه جرحها وتكتشف جذوره وتتغير بسببه، نراها تعود إليه كلما احتاج السيناريو إلى أزمة جديدة.

(أنس طيارة) في دور (أوس)، نجح في تقديم شخصية مغلقة، صارمة، شديدة التحكم، تخفي خلف قسوتها خوفاً عميقاً من الفقد والانكسار، وقد استطاع طيارة أن يجعل الجمود الخارجي للشخصية مقنعاً، وأن يمنح صمت (أوس) ونظراته معنى يتجاوز الحوار.

(هيا مرعشلي) في دور لين، قدمت شخصية مختلفة تماماً؛ حيوية، عنيدة، تبحث عن التعبير عن ذاتها، وتخفي وراء عنادها خوفاً من أن تفقد كل شيء مرة أخرى.

(ريتا حرب) في دور (جومانة) قدمت  أفضل أدوارها، شخصية تنتمي إلى عالم مختلف، تحاول أن تحتمي بالمكانة والأناقة والسيطرة من مخاوف داخلية أكثر تعقيداً، بينما جاء سعد مينة في دور مروان مناسباً لشخصية مأزومة تعيش طويلاً تحت ضغط الذنب والتردد.

من ناحيتها (ديمة الجندي) في دور (هالة)، نجحت في منح الشخصية مزيجاً مقنعاً من الحنان والقلق والخوف، فيما قدمت الشخصيات الأخرى، من كريم وياسمين إلى أيمن وجولي، مساحات إضافية للحكاية وإن لم تحصل جميعها على التطوير نفسه.

لكن الأداء الجيد لا يستطيع وحده إنقاذ سيناريو يكرر نفسه، فمن أكبر مشكلات (حب ع ورق) أن المشاهد يشعر أحياناً أن الشخصيات لا تتقدم، وإنما تتحرك في دائرة مغلقة.. تتغير الظروف، وتتبدل أماكن الأحداث، وتظهر أسرار جديدة، لكن جوهر الصراع يعود إلى النقطة نفسها.. وهذا ما جعل بعض المواجهات تبدو وكأنها إعادة إنتاج لمواجهات سابقة بأسماء وظروف مختلفة.

في الدراما، ليست كثرة الأحداث دليلاً على ثراء الحكاية، كما أن كثرة الحلقات لا تعني بالضرورة عمقاً أكبر.. أحياناً تكون أفضل خدمة يمكن أن يقدمها الكاتب لعمله هي أن يقول: هذا يكفي.

أما عندما تصبح كل عقدة بحاجة إلى عقدة جديدة، وكل حل مؤجلاً إلى أزمة أخرى، وكل انفراجة مجرد طريق للعودة إلى نقطة الصفر، فإن الحب نفسه يفقد تأثيره، وتتحول العقد النفسية من عمق للشخصيات إلى أدوات للتمديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.