(البريء).. حين يصبح تنفيذ الأوامر جريمة في حق الضمير!



بقلم الكاتب الدكتور: محمد الطربيلي
هناك أفلام تنتهي بمجرد أن تظهر كلمة (النهاية) على الشاشة وهناك أفلام أخرى تبدأ حقيقتها بعد النهاية، وفيلم (البريء) واحد من تلك الأعمال التي لا تكتفي بأن تحكي قصة وإنما تضع المشاهد أمام مرآة قاسية وتسأله سؤالًا لا يمكن الهروب منه ماذا يفعل الإنسان، حين يطلب منه أن يطيع أمرًا يعرف في أعماقه أنه خطأ.
فيلم (البريء) الذي أخرجه عاطف الطيب وكتب قصته وحواره وحيد حامد لم يكن مجرد فيلم عن السجن أو التعذيب أو السلطة، وإنما كان تشريحًا دقيقًا للعلاقة بين الإنسان والمنظومة التي تحاول أن تنتزع منه أهم ما يملك ضميره.
بطله أحمد سبع الليل ليس شريرًا وهذه هي المفارقة الأكثر إيلامًا في الحكاية إنه شاب بسيط خرج من بيئة ريفية يحمل بداخله صورة عن الوطن والجيش والشرف، لا يعرف تعقيدات السياسة ولا يفهم دهاليز السلطة، ولا يملك أدوات التفكير في الأسئلة الكبرى، كل ما يعرفه أن هناك عدوًا يجب أن يحارب وأن الضابط الذي أمامه يمثل الدولة وأن تنفيذ الأوامر هو الطريق الصحيح.
وهنا تبدأ المأساة.. فأخطر ما يمكن أن تفعله السلطة بالإنسان ليس أن تسجنه، وإنما أن تعيد تشكيل وعيه حتى يصبح القيد الذي في داخله أقوى من القيد الذي في يده.
(سبع الليل) لم يولد جلادًا لقد صُنع ليكون كذلك وهذه واحدة من أهم الرسائل السياسية في الفيلم، فالاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى أشخاص أشرار بطبيعتهم أحيانًا يكفيه أن يأخذ إنسانًا بسيطًا ويفصل بينه وبين التفكير ويعلمه أن السؤال عصيان، وأن الشك خيانة وأن الطاعة فضيلة حتى لو كانت الطاعة نفسها تقوده إلى ارتكاب الظلم.
وهنا يصبح الإنسان (البريء) أخطر ضحية للمنظومة، لأنه لا يعرف أنه تحول إلى أداة في يدها.. السلطة في الفيلم ليست مجرد شخص واحد شرير، وإنما منظومة كاملة هناك من يعطي الأمر ومن ينفذه ومن يصمت ومن يبرره ومن يخاف من الاعتراض عليه، وهكذا لا يصبح الظلم فعل فرد وإنما يتحول إلى سلسلة بشرية كل حلقة فيها تقول أنا فقط أنفذ التعليمات.

من يتحمل مسؤولية الدم في النهاية؟
السؤال هنا يتجاوز الفيلم إلى التاريخ كله كم جريمة ارتكبت تحت شعار الأوامر وكم إنسان ظلم إنسانًا آخر، لأنه أقنع نفسه بأن المسؤولية تقع على من أصدر الأمر وليس على من نفذه.
فيلم (البريء) يرفض هذه الحيلة الأخلاقية فالإنسان مهما كان موقعه يظل مسؤولًا عن اختياراته، وهذه هي النقطة التي تجعل البريء فيلمًا سياسيًا بامتياز لكنه في الوقت نفسه فيلم عن الأخلاق.
السلطة القوية لا تخشى المواطن الذي يختلف معها في الرأي بقدر ما تخشى المواطن الذي يفكر، لأن التفكير هو بداية السؤال، والسؤال هو بداية المعرفة والمعرفة هي العدو الأول لأي منظومة تريد أن تجعل الطاعة بديلًا عن الوعي.
ولهذا كان (سبع الليل) في بداية الفيلم نموذجًا للإنسان الذي تم اختزاله في وظيفة واحدة التنفيذ، لا تسأله لماذا لا تطلب منه أن يفهم فقط قل له ماذا يفعل ومع مرور الوقت يصبح الأمر طبيعيًا ثم تصبح القسوة طبيعية، ثم يصبح التعذيب وظيفة ثم يصبح الإنسان الذي أمامه مجرد حالة أو رقم أو متهم، وهنا تقع الكارثة الكبرى حين تفقد السلطة قدرتها على رؤية الإنسان في المواطن يفقد رجل السلطة قدرته على رؤية الإنسان في الضحية.
قد يظن البعض أن (البريء) يتحدث عن السجن فقط، لكن الحقيقة أوسع بكثير الفيلم يتحدث عن مجتمع كامل يمكن أن يتحول إلى سجن عندما تصبح الخشية من الكلام أكبر من الرغبة في الحقيقة.
السجن في الفيلم ليس مجرد جدران وأسلاك السجن الحقيقي هو أن يعيش الإنسان خائفًا من السؤال، وأن يرى الخطأ ويسكت وأن يعرف الحقيقة ولا يملك شجاعة قولها وأن يقتنع بأن النجاة الفردية أهم من العدالة.
وهنا يتحول الصمت إلى شريك في الجريمة.. أصعب لحظة في حياة الإنسان ليست حين يكتشف أنه أخطأ، وإنما حين يكتشف أن ما كان يعتقده صوابًا طوال حياته كان يحتاج إلى مراجعة وهذه اللحظة هي جوهر رحلة سبع الليل.
إنه لا يستيقظ فجأة لأنه أصبح مثقفًا أو سياسيًا، بل يستيقظ لأنه اكتشف الإنسان داخل من كان يراه عدوًا وهنا تتهاوى كل الشعارات، فالإنسان الذي أمامه ليس عدوًا مجردًا إنه إنسان له أم وله أب وله أحلام وله خوف وله حق في الحياة.

قيمة (البريء) السياسية
وعندما يرى (سبع الليل) الإنسان بدلًا من التصنيف يبدأ النظام الذي صنعه في الانهيار بداخله، وهذه واحدة من أعظم الأفكار التي قدمتها السينما المصرية فقد تستطيع السلطة أن تفرض على الإنسان ما يفعله لكنها لا تستطيع دائمًا أن تتحكم فيما يشعر به.
قيمة (البريء) السياسية أيضًا أنه لا يحتاج إلى ذكر أسماء لكي يقول كلامًا سياسيًا شديد الوضوح، فالسياسة هنا ليست حديثًا عن حزب أو حكومة أو انتخابات السياسة هى علاقة القوة بالإنسان من يملك القرار ومن يملك حق الاعتراض ومن يدفع ثمن الخطأ ومن يحاسب من؟
وهذه الأسئلة لا تنتمي إلى زمن بعينه، إنها أسئلة صالحة لكل المجتمعات ولهذا بقي (البريء) حيًا رغم مرور السنوات، لأن الفيلم لم يكن يتحدث فقط عن مرحلة سياسية محددة وإنما عن مرض إنساني اسمه إساءة استخدام السلطة.
قوة (البريء) لا تنفصل عن كتابة وحيد حامد، فهو لم يكن يريد أن يصنع منشورًا سياسيًا طويلًا وإنما أراد أن يجعل السياسة تعيش داخل الشخصيات، وهذه مهمة أصعب بكثير أن تجعل المشاهد يتألم مع الشخصية قبل أن يفكر في الفكرة، وأن تجعله يرى الإنسان قبل أن يرى الموقف السياسي وأن تجعله يسأل نفسه ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه.
وهذا هو السؤال الأخطر لأن المشاهد عندما يتوقف عن الحكم على الشخصيات ويبدأ في وضع نفسه مكانها يتحول الفيلم من شاشة إلى تجربة شخصية، أما عاطف الطيب فكان يعرف جيدًا أن القضايا الكبرى لا تحتاج إلى زخرفة، سينماه كانت منحازة إلى الإنسان العادي إلى المهمش إلى الموظف إلى العامل إلى الجندي إلى الرجل الذي لا يملك سلطة لكنه يدفع ثمن قرارات أصحاب السلطة.
ولهذا جاءت الصورة في (البريء) قاسية ومباشرة لا توجد مسافة كبيرة بين الكاميرا والشخصية ولا توجد محاولة لتجميل الألم، كأن المخرج يقول للمشاهد انظر جيدًا لا تغمض عينيك.
وربما تكون أخطر قراءة للفيلم اليوم هي ألا نتعامل معه باعتباره وثيقة من الماضي فقط فكل مجتمع يحتاج من وقت إلى آخر أن يسأل نفسه: هل ما زال الإنسان قادرًا على قول لا عندما يرى الخطأ، وهل ما زال الموظف يستطيع أن يقول لرئيسه إن القرار غير صحيح، وهل ما زال المواطن يشعر أن كرامته مصانة وهل ما زال القانون فوق الأشخاص وهل ما زلنا نربي أبناءنا على التفكير أم على تنفيذ الأوامر.

قيمة الدولة الحقيقية
هذه الأسئلة لا تعني اتهامًا لأحد، وإنما تعني أن قيمة الدولة الحقيقية لا تقاس فقط بقوة مؤسساتها وإنما بقدرتها على حماية الإنسان من التعسف، فالدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها المواطن الدولة القوية هي التي يثق المواطن في عدلها.
وربما تكون الرسالة الأهم التي يتركها البريء بعد كل هذه السنوات، هى أن الإنسان يجب ألا يتحول إلى مجرد ترس في ماكينة لا في الدولة ولا في المؤسسة ولا في الحزب ولا في الجماعة ولا حتى داخل الأسرة.
فالطاعة بلا عقل يمكن أن تتحول إلى كارثة، والقوة بلا أخلاق تتحول إلى ظلم والقانون بلا عدالة يتحول إلى أداة، والدولة بلا إنسان تتحول إلى مجرد مبنى ضخم يسكنه الخوف، أما الدولة الحقيقية فهي التي تجعل الإنسان يشعر أنه مواطن قبل أن يكون رقمًا وإنسان قبل أن يكون تابعًا
في النهاية (البريء) ليس فيلمًا عن شخص اكتشف الحقيقة فقط، إنه فيلم عن اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان نفسه عن تلك اللحظة النادرة التي يتوقف فيها عن السؤال ماذا يريدون مني، ويبدأ في السؤال ماذا أريد أنا وما الذي يقوله ضميري.. وهنا تبدأ الحرية الحقيقية.
فقد يسلبون الإنسان حريته، وقد يحاصرونه وقد يخيفونه وقد يجبرونه على الصمت لكنهم لا يستطيعون أن ينتزعوا ضميره إلا إذا سمح هو بذلك، ولهذا فإن أخطر ما في البريء ليس مشاهد السجن ولا صرخات المعذبين ولا قسوة الأوامر، الأخطر هو أن الفيلم يضع أمامنا سؤالًا لا يزال صالحًا حتى اليوم
إذا جاءك أمر يخالف ضميرك فهل تنفذه لأنك مأمور أم ترفض لأنك إنسان، وربما كانت الإجابة هي الفارق كله بين موظف يؤدي وظيفة وإنسان يستحق أن يعيش حرًا.