
كتب: أحمد السماحي
لم تبدأ الدورة الـ 34 من (مهرجان الموسيقى العربية) بعد، لكن أزماتها سبقت موسيقاها؛ فبينما كانت دار الأوبرا تعلن برنامج الحفلات، توالت اعتذارات محمد ثروت وعلي الحجار، وخرجت تصريحات وانتقادات حول الميزانية وأجور الفنانين والرعاة والاختيارات الفنية، لتتحول كواليس المهرجان إلى حديث الوسط الموسيقي قبل رفع الستار.
الأكثر سخونة جاء من داخل المشهد نفسه؛ فهاني فرحات تحدث عن تجربة سابقة أكد خلالها عدم اعتراض نجوم عرب على المشاركة، بينما كشف محمد الموجي، مدير المهرجان، عن تدخلات في الرؤية الفنية وعدم تنفيذ بعض الاختيارات كما وضعها، إلى جانب تأثير الميزانية على الاتفاق مع أسماء بينها جنات وتامر عاشور ورامي صبري وبهاء سلطان، فيما دخل الموسيقار أمير عبد المجيد على خط الجدل.
ثم جاءت المفاجأة الأكبر: بعد نحو 15 ساعة من المؤتمر الصحفي لـ (مهرجان الموسيقى العربية)، أعلن الدكتور رضا الوكيل اعتذاره عن الاستمرار في رئاسة دار الأوبرا المصرية، في بيان حمل إشارات إلى خلافات شهدتها الفترة الأخيرة.
وهكذا، وقبل انطلاق (مهرجان الموسيقى العربية) في 20 أكتوبر، أصبح المشهد مفتوحًا على أسئلة أكبر من حفلات الغناء: من يضع الاختيارات؟ وكيف تُدار الميزانية؟ ومن يملك القرار؟ بينما تستعد الأوبرا للمضي في الدورة الجديدة وسط عاصفة لم تبدأ على المسرح، بل انفجرت في الكواليس.
هى إذن اعتذارات بالجملة.. تصريحات متبادلة.. صدام حول الميزانية والأجور والرعاة.. تدخلات في الاختيارات الفنية.. ثم مفاجأة استقالة رئيس الأوبرا بعد ساعات من المؤتمر.. فماذا يجري داخل (مهرجان الموسيقى العربية)؟
لم ينتظر (مهرجان الموسيقى العربية) حتى تضاء خشبة المسرح الكبير وتبدأ أولى نغمات دورته الـ 34، لكي يصنع الحدث.. هذه المرة، الضربة جاءت من الكواليس!.. فما إن كشفت دار الأوبرا المصرية عن تفاصيل الدورة الجديدة، حتى انهالت الاعتذارات، وخرجت التصريحات، وبدأ تبادل الرسائل العلنية.

أرقام الميزانية وأجور الفنانين
وتحولت أرقام الميزانية وأجور الفنانين والرعاة والاختيارات الفنية إلى حديث مفتوح، قبل أن تصل الأزمة إلى ذروة جديدة بإعلان الدكتور رضا الوكيل اعتذاره عن الاستمرار في رئاسة دار الأوبرا المصرية، بعد ساعات فقط من المؤتمر الصحفي للمهرجان.
المشهد لم يعد مجرد فنان اعتذر عن حفلة، أو اسم لم يظهر في البرنامج.. نحن أمام سلسلة متتابعة من الوقائع بدأت بمحمد ثروت، ثم علي الحجار، وامتدت إلى هاني فرحات وأمير عبد المجيد ومحمد الموجي، قبل أن تنتهي باعتذار رضا الوكيل عن منصبه.
والسؤال الذي فرض نفسه بقوة: لماذا انفجرت كل هذه الملفات دفعة واحدة مع الإعلان عن دورة (مهرجان الموسيقى العربية) التي يفترض أنها مخصصة للاحتفاء بالموسيقى العربية ورموزها؟
البداية كانت مع الفنان محمد ثروت، الذي أعلن اعتذاره عن المشاركة في الدورة الجديدة، لكن اللافت لم يكن الاعتذار نفسه، بقدر ما ورد في بيانه من عبارات شديدة اللهجة.. ثروت، الذي أكد أنه لم يعتد طوال نحو 50 عامًا من مشواره الفني أن يتحدث علنًا عن الكواليس.
قال للمرة الأولى، بحسب بيانه المنشور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك): لن أقبل، ولن أشارك في إهانة الفن المصري أو الفنانين المصريين،وبعدها أعلن اعتذاره عن المشاركة في مهرجان الموسيقى العربية لعام 2026.
وكان من المقرر أن يشارك ثروت في (ليلة هاني شاكر) يوم 20 أكتوبر، إلى جانب نيفين رجب ونادية مصطفى ونجوم الأوبرا، بقيادة المايسترو مصطفى حلمي، لكن البيان لم يتوقف عند صاحبه، إذ أعلنت الفنانة مي فاروق تأييدها لموقفه عبر إعادة نشر بيانه والتعليق عليه، فيما تواصلت ردود الفعل من أسماء أخرى بينها مروة ناجي وجنات وبهاء سلطان.
ثم جاء علي الحجار.. والميزانية الخاصة بـ (مهرجان الموسيقى العربية) تدخل على الخط.. قبل أن تهدأ الأصداء، جاء الدور على علي الحجار.. الفنان الكبير أعلن اعتذاره عن المشاركة في الدورة الـ 34، مؤكدًا أن هذه هى المرة الأولى التي يغيب فيها عن المهرجان منذ إنشائه.

وجوده في الحفلات ليس استثناءً
لكن الحجار لم يترك مساحة كبيرة للتخمين، إذ ربط اعتذاره بما وصفه بميزانية (ضعيفة ومهينة لأعضاء الفرقة الموسيقية المصاحبة له) معلنًا رفضه المشاركة في ظلها، كما انتقد ما ورد في تصريحات رئيس دار الأوبرا خلال المؤتمر الصحفي بشأن الحفلات التي قدمها مؤخرًا في مهرجان القلعة والإسكندرية والمسرح الكبير بالأوبرا.
الحجار أوضح أن وجوده في تلك الحفلات ليس استثناءً، وإنما امتداد لأكثر من 30 عامًا، مشيرًا إلى أن الفنان يضيف إلى الأوبرا، وأن الحفلات التي يقدمها تسهم في زيادة الدخل الذي تدفع منه أجور الفنانين.
وهنا خرجت القضية من نطاق (من سيغني؟) إلى سؤال أكثر حساسية: كم تدفع الأوبرا؟ ولمن؟ وكيف تُحدد الأجور؟ وهل أصبحت الميزانية عائقًا أمام مشاركة أسماء أساسية في مهرجان يحمل اسم الموسيقى العربية؟
في الخلفية، كانت تصريحات الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، خلال المؤتمر الصحفي لـ (مهرجان الموسيقى العربية)، تفتح بابًا إضافيًا للجدل، فالوكيل تحدث عن محدودية الموارد المالية مقارنة بما تنفقه دول أخرى على استضافة نجوم الغناء العرب، وأوضح أن آمال ماهر وعاصي الحلاني يشاركان دون أجر، فيما تنازل عمر خيرت عن نصف أجره.
التصريحات لم تمر بهدوء، وأطلقت موجة من الردود داخل الوسط الموسيقي، بدا معها أن ملف الميزانية لم يعد مجرد تفصيل إداري، وإنما تحول إلى إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل حول الدورة الجديدة.
من بين الذين دخلوا على خط الأزمة، المايسترو هاني فرحات، رئيس (مهرجان الموسيقى العربية) في دورته الـ32.. فرحات نشر صورًا من جدول حفلات الدورة عبر حسابه على (إكس) وعلّق على ما شهدته جلسة المؤتمر الصحفي.
مؤكدًا أنه خلال الدورة التي ترأسها: (لم يأت نجم واحد من نجوم الوطن العربي يطلب أجرًا أو يعترض على المشاركة، مشيرًا إلى أن الجميع كان يشعر بالفخر بالمشاركة في مهرجان مصر).
كما أشار إلى أن المهرجان يحصل على دعم الدولة ووزارة الثقافة، لكن النجاح، من وجهة نظره، لم يعتمد على الدعم وحده، بل على العمل والتسويق وجذب الرعاة والشركات.


فرحات لم يغلق الباب
ثم وضع الجملة التي تختصر رؤيته للمشهد: (المهرجان أكبر من أي شخص أو دورة)، لكن تصريح فرحات لم يغلق الباب، بل فتح مقارنة ضمنية بين ما جرى في دورة سابقة وما يحدث في الدورة الجديدة.
الموسيقار أمير عبد المجيد دخل كذلك على خط الجدل، معترضًا على بعض التصريحات المتعلقة بميزانية المهرجان وإمكاناته المالية، لتتسع دائرة الأصوات التي تناقش علنًا ما يحدث خلف ستار واحدة من أهم الفعاليات الموسيقية المصرية.
وبدلًا من أن تكون الأخبار عن البرنامج وحده، أصبحت أخبار المهرجان نفسه مرتبطة بالميزانية والإدارة وطريقة التعامل مع النجوم، ثم جاءت تصريحات المايسترو محمد الموجي، مدير مهرجان الموسيقى العربية، لتكشف طبقة جديدة من الأزمة.
الموجي تحدث عن وجود تدخلات في الرؤية والاختيارات الفنية، وأوضح أن بعض الأسماء التي ظهرت في البرنامج لم تكن ضمن اختياراته الأولى، كما تحدث عن مشاركة آمال ماهر من خلال مسار مختلف عن الاختيارات التي وضعها في البداية.
ولم يتوقف الأمر هنا.. فقد ربط الموجي الظروف المالية بعدم الاتفاق مع أسماء بينها جنات وتامر عاشور ورامي صبري وبهاء سلطان، كما تحدث عن محدودية الرعاة وتأخر بعض أوجه الدعم، أما علي الحجار، فقال الموجي إنه كان يتمنى مشاركته، وإن عدم الاتفاق ارتبط بالظروف المالية والأجر المطلوب.
وهنا أصبح السؤال أكثر وضوحًا: إذا كانت الميزانية تؤثر في اختيار الفنانين، والرعاة محدودين، وبعض الاختيارات لا تنفذ كما وُضعت، فمن الذي يملك القرار النهائي في شكل الدورة؟
ثم جاءت الضربة التي لم تكن في برنامج الحفل أصلًا.. فبعد نحو 15 ساعة فقط من المؤتمر الصحفي، أعلن الدكتور رضا الوكيل اعتذاره عن الاستمرار في رئاسة دار الأوبرا المصرية.
بيان الوكيل لم يكن مجرد إعلان مغادرة منصب، إذ تضمن إشارات إلى خلافات شهدتها الفترة الأخيرة.. الوكيل قال إنه كان يتمنى الاستمرار حتى انتهاء فترة تعيينه، مؤكدًا أن لديه القدرة على التغيير، لكنه رفض أن يتحكم أحد في اختياراته لفنان مصري يقف إلى جواره، على حد تعبيره، بسبب ثقته في موهبته وحب الجمهور المصري له.

اعتذار رضا الوكيل
وأضاف: (لن أكون سببًا في مشاكل مع أحد أو عداء بيني وبين أصدقائي الداعمين لأحد)، قبل أن يعلن اعتذاره عن الاستمرار، مؤكدًا رغبته في أن يُنظر إليه لاحقًا كفنان وصديق في الأعمال الفنية التي يكلف بها، وهكذا، خلال ساعات قليلة، انتقل المشهد من خلافات حول حفلات وأجور إلى تغيير إداري على قمة واحدة من أهم المؤسسات الموسيقية المصرية.
المفارقة أن كل ذلك يحدث بينما يستعد (مهرجان الموسيقى العربية) للاحتفال بأسماء صنعت جانبًا مهمًا من تاريخ الغناء والموسيقى المصرية، وكما هو معروف أن الدورة الـ 34 تقام في الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر، وتضم 22 حفلًا، بينها 11 ليلة غنائية وموسيقية على المسرح الكبير، إلى جانب فعاليات أخرى على مسارح وأماكن مختلفة.
وتبدأ ليالي المسرح الكبير بـ (ليلة هاني شاكر) ثم ليالي بليغ حمدي، وكمال الطويل، ومحمد الموجي، ورياض السنباطي، وسيد درويش، ومنير مراد، ومحمد عبد الوهاب، وعمر خيرت، ومحمد فوزي، قبل الختام بـ (ليلة فريد الأطرش).
ويضم البرنامج أسماء مثل عاصي الحلاني، وأحمد جمال، وريهام عبد الحكيم، ومحمد محسن، وخالد سليم، ومحمد الحلو، وآمال ماهر، ومدحت صالح، إلى جانب نجوم الأوبرا والفرق الموسيقية.
لكن هذه المرة، هناك شيء آخر ينتظر الجمهور قبل الموسيقى: ملف مفتوح عن الميزانية، وأسئلة عن الرعاة، وتساؤلات حول الاختيارات الفنية، واعتذارات لفنانين، وتصريحات متبادلة، وتغيير في قيادة الأوبرا، ومع ذلك المهرجان سيبدأ في موعده المعلن، لكن أزمة الكواليس بدأت بالفعل.
ونظرا لتطور الأحداث وسرعتها المتلاحقة، نشر الدكتور رضا الوكيل على صفحته على الفيس بوك معلنا عودته، وأكد على أن المهرجان سيقام في موعده بمشاركة فنانين دار الأوبرا والفنانين المصريين الأوفياء، وشكر كل الفنانين الكبار الواقفين مع دار الأوبرا، داعمين بفنهم، وإهداء لصديقهم الراحل هاني شاكر.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور رضا الوكيل لا يزال في منصبه يمارس مهام عمله كرئيس لدار الأوبرا المصرية ويعمل حاليا من مكتبه، خاصة أنه لم يتقدم باستقالة فعلية لوزير الثقافة، وإنما اكتفي بتقديم الاستقالة في بداية الأمر علي صفحته الرسمية علي الفيس بوك خلال الساعات الماضية على أثر تفجر الأزمة التي يبدو أنها مفتعله، وهناك أياد خفية تلعب من خلف الستار سنكشفها خلال الأيام القادمة.