

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
في بودكاست (قصتي) مع محمد قيس، مساء الثاني والعشرين من سبتمبر، سُئل أحمد العوضي سؤالا عن الباقي من الحب بعد الحب، فأجاب بما لا يبقي للحب مقامه: أول عربية ركبتها كانت ميتسوبيشي، ولما ربنا كرمني ركبت مرسيدس، ولسه فاكر الميتسوبيشي لكن مش هرجع لها.. قامت عاصفة، فالميتسوبيشي قرأها الجمهور ياسمين عبد العزيز، والمرسيدس قرأها الجمهور يارا السكري، ثم جاءت موجة الغضب ثم جاء الاعتذار المعهود.
وأكثر ما استفزني في هذه القصة كلها عبر في بودكاست (قصتي)، كان تعليق الناقدة ماجدة خير الله على صفحتها على فيسبوك حين كتبت: (وعلى كده بقى والدتك لانسر ولا مرسيدس؟).. وهنا كان يجب أن نتوقف يا ماجدة.. كان المنتظر منك كناقدة كبيرة أن تتناولي التصريح بمنهج نقدي محترم، وأن تعلمي الناس أين الخلل الحقيقي، لا أن تزايدي بجملة تريندية.
الفعل من قيادة إلى استعلاء لو أردت أن تمارسي النقد بحق، كان يجب أن تقولي للعوضي وللجمهور:
أولا: إن المشكلة لم تكن في اسم العلامة، بل في الفعل الذي اختاره.. العرب تقول ركبت السيارة فتعني قدتها، غير أن للكلمة في العامية ظلا آخر حين تنقل من عالم الآلة إلى عالم الإنسان. هناك يتحول الفعل من قيادة إلى استعلاء، ومن امتلاك لشيء إلى ادعاء امتلاك لشخص.

الاعتذار اعتذر عن الاسم
ومن يرد تحقير رجل في الشارع لا يجد أقسى من أن ينسب إليه أنه هو المركوب لا الراكب.. والعوضي لم يقل كانت عندي سيارة، بل قال ركبت، فجعل نفسه فاعلا متسلطا، وجعل الأخرى مفعولا يعتلى.
ثانيا: إن الاعتذار اعتذر عن الاسم، ولم يعتذر عن المنطق.. اعتذر لأنه ذكر الموديل القديم، ولم يعتذر لأنه استخدم منطقا يجعل المرأة وسيلة لإشهار الرجولة.. اعتذر لامرأة بعينها لأنه جعلها قديمة، ونسي أن يعتذر لكل امرأة لأنه جعلها في كلامه درجة يصعد عليها الرجل ليرى.
ثالثا: إنه قدم المرأة الجديدة للعالم لا كروح لها قدرها وحكايتها، بل كعلامة على أنه ارتقى. أن تقول: انظروا ما بلغت. لا امرأة كريمة تقبل أن تكون شاهدة ترق في سيرة رجل، ولا وساما يعلق على الصدر. الحب لا يقاس بعدد ما اقتنيت، بل بقدر ما صنت.
رابعا: إن هذه ليست أزمة رجل واحد، بل أزمة جيل من النجوم. أولها عقلية المالك لا الشريك، نجم اعتاد أن يكون المتحكم والبطل ومن يختار من تقف أمامه، فينقل منطق الاختيار في العمل إلى منطق الاختيار في القلب. وثانيها عقلية السوق، صار كل شيء محتوى: الزواج محتوى، والفراق محتوى، والحب الجديد إعلان تشويقي للموسم القادم.
وثالثها وهم الصراحة بلا زمام، يجلس المرء ساعات يتحدث بلا مراجعة، يظن أن الرجولة أن يقول كل ما يخطر له، ولا يدري أن الرجولة أن يزن الكلمة قبل أن تخرج.
خامسا: أن النجومية مسؤولية ولغة. ما دام الفنان قد وصل إلى هذه الدرجة من الشهرة وصار كلامه يتابعه الملايين، فعليه أن يرفع ثقافته وينتبه لكلامه ويقرأ ويتعلم حتى لا يقع في مثل هذه الأخطاء. فالنجم لم يعد شخصا عاديا، وكلمته لم تعد عابرة.. هذا هو الدرس الذي كنا ننتظره منك كناقدة في بودكاست (قصتي).. أما ما فعلتيه أنت فهو عكس النقد تماما. فالنقد له أصول يجب أن تلتزم بها الناقدة الكبيرة:
أولا: افتراض حسن النية. وهي القاعدة الذهبية في النقد، أن تشرحي المقصود قبل أن تحاكمي المنطوق. الفنان ابن بيئة شعبية لا يملك ترسانة لغوية ولا بلاغة أكاديمية، هو يتكلم بقلبه وبلسان الشارع بتلقائية قد تخونه، ووظيفة الناقد هنا أن يترجم لا أن يشنق، وأن يعلق لا أن يهين، وأن يشرح للناس ماذا كان يقصد قبل أن تقولي لهم ماذا قال.

لو أخطأ الفنان في حق طليقته
ثانيا: تصحيح اللغة لا اغتيال الشخص. كان بإمكانك أن تنصحيه بأن يشبه الحب بالزرع الذي يسقى، والسفينة التي تحتاج إلى مجدافين، والبيت الذي يبنى حجرا حجرا، لا بالسيارة التي تستبدل.. هذا تشبيه لرحلة يبذل فيها الاثنان، أما أن تشبه الشخص بمركوب وتشبه نفسك براكبه، فأنت تمنحه ثمنا وتاريخ انتهاء.. هكذا تكونين ناقدة، وهكذا تعلمين جيلا كاملا كيف يتكلم.
ثالثا: الفصل بين الخاص والعام. حتى لو أخطأ الفنان في حق طليقته، ما شأن أمه؟ ما شأن إدخال الأم في جملة سوقية يلتقطها الناس؟ هل هذه هي الغيرة على المرأة؟ أن تدافعي عن امرأة بأن تهيني امرأة أخرى؟
رابعا: أن الناقد ليس قاضيا يصدر حكما، ولا جلادا ينفذ عقوبة.. هناك نوع من النقاد يظن أن النقد هو أن يعتلي منبرا عاليا ويجلد الفنان من فوقه، وأن كونه يمسك قلما يمنحه حق استباحة الناس، وأن كون الفنان بسيطا في تعبيره يجعله متعاليا في تجريحه.. الناقد الحقيقي مترجم ومفسر وشارح، وليس قاضيا.
لا يا ماجدة، عيب.. أنت أكدت على معنى سيئ وهو أن المرأة فعلا شيء يركب، وجعلت الأم، وهي أقدس امرأة، محل مساومة رخيصة.. أتريدين أن تدافعي عن المرأة، فتطعنين أما هي امرأة؟ أتدافعين عن جنس النساء بأن تسيئي لامرأة أخرى هي أم الرجل؟ أي دفاع هذا الذي يبدأ بإهانة أم؟
لقد كان أمامك فرصة ذهبية لتقدمي درسا في كيف يعبر النجم عن مشاعره دون أن يجرح أحدا، من خلال بودكاست (قصتي) فاخترت أن تقدمي درسا في قصف الجبهات، في كيف يحول الناقد زلة لسان إلى طعنة في الأمهات..عيب يا ماجدة!