


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
هناك أعمال فنية تقترب من الجريمة لكي تفهمها، وأعمال أخرى تقترب منها فقط لكي تستثمر في فضول الجمهور.. وبين الاثنين مسافة شاسعة اسمها الدراما.. من هنا تأتي أزمة مسلسل (ما لم يُحكى عن بني مزار)، فحين تتحول الجريمة الواقعية إلى مادة للفرجة، لا يكفي أن نضع أمام المشاهد جريمة، ثم نضيف إليها جرائم أخرى، ونرش فوقها قليلًا من الرعب والسحر والشعوذة، ثم نطلب منه أن يصدق أن كثافة الدم تعني بالضرورة عمق الحكاية على جناح الدراما!
الجريمة وحدها ليست دراما كما جاء (ما لم يُحكى عن بني مزار).. والقتل ليس وجهة نظر.. والدم لا يصنع مسلسلا.. المشكلة ليست في أن يحكي العمل عن جريمة حقيقية، ولا في أن يقترب من عالم شديد القسوة، وإنما في السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء: لماذا نحكي هذه الجريمة؟ وماذا نريد أن نقول من خلالها من رسائل؟
إذا كانت الإجابة مجرد إثارة الفضول، وإبقاء المشاهد مشدودًا إلى الشاشة من خلال سؤال: من سيقتل؟ ومن سيموت؟ وما الجريمة التالية؟ فإننا نكون أمام استثمار في الجريمة أكثر من كوننا أمام قراءة فنية لهذه الجريمة بقدر كبير من الإثارة والتشويق وهذا ما حدث في مسلسل (ما لم يُحكى عن بني مزار).

الجريمة لا تفيد إذا لم نفهمها
حين تستند الدراما إلى واقعة حقيقية مثل (ما لم يُحكى عن بني مزار)، تصبح مسؤوليتها أكبر؛ لأن الأمر لم يعد مجرد خيال يمكن للكاتب أن ينسج خيوطه كيفما شاء، وإنما هناك واقعة وأشخاص وذاكرة ومجتمع عاش آثارها وهو مالم يتم تجسيدها على نحو صحيح في الجزء الثاني من (القصة الكاملة).
وهنا لا بد أن نسأل: هل يحاول العمل أن يفهم أسباب الجريمة؟.. هل يقترب من دوافع الشخصيات؟ هل يناقش البيئة التي أنتجت العنف؟ هل يطرح أسئلة عن الإنسان الذي يمكن أن يتحول إلى قاتل؟.. أم أن الجريمة نفسها هى الغاية والوسيلة والفرجة ليس إلا؟
بالتأكيد (الجريمة لا تفيد) إذا لم تضف إلى وعينا شيئًا.. أما أن يصبح القتل مجرد وسيلة لرفع الإيقاع، وأن تتحول كل حلقة أو مشهد إلى محاولة لتقديم صدمة أكبر من السابقة، فهنا تفقد الجريمة معناها وتتحول إلى لعبة شد أعصاب على الشاشة، كما شاهدنا في (ما لم يُحكى عن بني مزار) من وقائع غير منطقية.
لماذا نلجأ إلى العنف والقتل؟.. هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا أصبحت الدراما في السنوات الأخيرة تميل إلى العنف والقتل باعتبارهما أقصر الطرق إلى الإثارة؟.. الإجابة الدرامية السهلة تقول: لأن الجمهور يحب الإثارة بحسب لذا جاء خيال صناع هذا النوع من الدراما على هذا النحو الرديء.
لهذ أقول أن الفن لا يفترض أن يكتفي بما يطلبه الجمهور، وإنما عليه أن يمنحه شيئًا يتجاوز توقعاته.. ليس عيبًا أن يكون الفيلم أو المسلسل عنيفًا، وليس عيبًا أن يحتوي على جرائم، لكن العيب أن يصبح العنف هو السيناريو نفسه كما هو ماثل في مسلسل (ما لم يُحكى عن بني مزار).
حين نرى القتل دون أن نفهم الإنسان الذي ارتكبه، يصبح المشهد مجرد صورة صادمة.. وحين نرى الضحية دون أن نعرف شيئًا عن عالمها، تتحول إلى رقم جديد في قائمة الضحايا.. وحين يصبح القاتل هو الشخصية الأكثر إثارة، فإننا نكون أمام مشكلة أكبر: هل بدأ العمل، من حيث لا يدري، بحيث يمنح الجريمة بريقًا بدلًا من أن يكشف بشاعتها؟
والسؤال البديهي: أين الرسالة؟..الفن ليس محكمة، لكنه أيضًا ليس مسرحًا للجريمة.. كان من الممكن أن تتحول وقائع مسلسل (ما لم يُحكى عن بني مزار) إلى مدخل لمناقشة الخوف، والجهل، والاضطراب الاجتماعي، والعنف، والخرافة، وكيف يمكن لمجتمع ما أن يسمح للجريمة بأن تنمو داخله.
لكن عندما تتزاحم الجرائم والأحداث والرعب والسحر والشعوذة دون أن تتجمع في معنى واضح، يشعر المشاهد في لحظة ما بأنه يطارد الأحداث بدلًا من أن يفهمها، وهنا تضيع الرسالة وسط كل هذا الضجيج من الأحداث القاتمة التي لاتقترب من الواقع بقدر اللجوء إلى الإثارة.

السحر والشعوذة.. لماذا؟
ثم يأتي اللجوء إلى السحر والشعوذة ليزيد المسافة بين (ما لم يُحكى عن بني مزار)، والمنطق.. استخدام الخرافة في الدراما ليس خطأ في حد ذاته؛ بل يمكن أن يكون مدخلًا بالغ القوة لفهم مجتمع يؤمن بها أو يخاف منها أو يستخدمها للهروب من تفسير الواقع مهما كانت بشاعته.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشعوذة إلى مفتاح سحري لفتح الأبواب التي عجز سيناريو (ما لم يُحكى عن بني مزار) عن فتحها بالمنطق.. كلما واجهت الحكاية سؤالًا صعبًا، يظهر تفسير غامض، وكلما احتاج الحدث إلى دفعة، تأتي الخرافة.. وكلما أصبح المسار الدرامي بحاجة إلى تفسير، تدخل قوى غامضة لتملأ الفراغ بصور مفزعة تجافي الواقع.
وهنا لا يعد السحر جزءًا من مسلسل (ما لم يُحكى عن بني مزار)، وإنما يصبح أداة لإنقاذ الحكاية، والدراما التي تحتاج إلى الخرافة حتى تبرر منطقها، تحتاج أولًا إلى مراجعة منطقها قبل التصوير وصناعة عمل للعرض على الجمهور.


صورة قاتمة أكثر مما ينبغي
ولا تتوقف الأزمة عند الجريمة والعنف والسحر، وإنما تمتد إلى الصورة القاتمة التي يصر (ما لم يُحكى عن بني مزار) على تقديمها باعتبارها عالمًا لا يعرف إلا الخوف والموت والشر.. لا مشكلة في تقديم عالم مظلم؛ فهناك أعمال عظيمة استطاعت أن تدخل إلى أكثر المناطق قسوة في النفس البشرية، لكنها فعلت ذلك دون أن تحول الظلام إلى ديكور دائم طوال الأحداث القاسية.
أما هنا، فإن المبالغة في تكثيف القتامة تجعلها أحيانًا أقرب إلى الاستعراض منها إلى الرؤية الفنية.. كل شيء يبدو مظلمًا، وكل شخصية تقريبًا محاصرة بالخوف، وكل طريق يؤدي إلى العنف، وكل مشهد يحمل جرعة جديدة من الرعب، حتى يصبح المشاهد في النهاية معتادًا على الظلام والكآبة.
وهنا تحدث المفارقة: حين تبالغ في الصدمة، تفقد الصدمة قدرتها على الصدمة.. كان يمكن للهدوء أن يكون أكثر رعبًا، وللإيحاء أن يكون أكثر قوة، وللمشهد العادي أن يترك أثرًا أعمق من مشهد يصرخ في وجه المشاهد منذ اللحظة الأولى بأنه أمام كارثة يصعب إدراكها.


حين يصرخ الممثل بدلًا من الشخصية
وإذا كانت الصورة في بعض الأحيان تبالغ في قتامة العالم، فإن الأداء التمثيلي يعاني أحيانًا من مشكلة موازية: الافتعال.. هناك فرق كبير بين أن يؤدي الممثل شخصية مضطربة أو شريرة، وبين أن يشعر المشاهد بأن الممثل يحاول أن يقول له: (أنا مضطرب.. أنا شرير.. أنا مخيف)، كما تجسد عبر أحداث (ما لم يُحكى عن بني مزار)، (ميشيل ميلاد) نموذجا.
النظرات الطويلة، والصراخ، والانفعالات الحادة، والحركات المبالغ فيها، لا تصنع بالضرورة شخصية مقنعة.. الممثل الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصرخ حتى يخيفنا، ولا إلى أن يبالغ في انفعالاته حتى يجعلنا نشعر بألمه بطريقة مصطنعة دون اللجوء للتلقائية في الأداء.
أحيانًا تكون نظرة واحدة صادقة أقوى من عشر صرخات مفتعلة، كما بدا لي في أداء الفنان (أحمد عبد الوهاب)، والفنان الكبير (عزت زين)، فيما عداهما هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام شخصيات تعيش هذه الأحداث بالفعل، أم أمام ممثلين يعرفون أنهم داخل عمل عن الجريمة ويحاولون إقناعنا بلي عنق الحقيقة؟
هذه المسألة شديدة الأهمية، لأن الدراما التي تقوم على الجريمة والرعب تحتاج قبل أي شيء إلى الصدق، فإذا فقد الأداء صدقه، وفقدت الشخصيات منطقها، وتحولت القتامة إلى مبالغة، أصبح العنف مجرد طبقة خارجية تغطي فراغًا كان ينبغي أن تملأه الدراما في (ما لم يُحكى عن بني مزار).
الخيال مطلوب.. لكن المنطق أهم.. لا أحد يطالب الفن بأن يكون نسخة طبق الأصل من الواقع.. الخيال حق أصيل للكاتب والمخرج، بل إن أعظم الأعمال هى التي تستطيع أن تنطلق من الواقع ثم تذهب إلى أماكن أبعد منه، لكن الخيال ليس تصريحًا بإلغاء المنطق الدرامي.
حين تتوالى الأحداث بطريقة تجعل المشاهد يسأل باستمرار: (كيف حدث هذا؟ ولماذا فعلت الشخصية ذلك؟ ومن أين جاء هذا التحول؟)، فإن المشكلة ليست في أن المشاهد لم يفهم العمل، بل ربما في أن العمل لم يمنحه ما يكفي من الأسباب المنطقية التي يقبلها العقل لكي يصدقه؟.. والدراما لا تُقاس بعدد المفاجآت، وإنما بقدرة كل مفاجأة على أن تبدو مفاجئة ومقنعة في الوقت نفسه.


الخيال الطامح نحو الجرائم التسلسلية
الأخطر أن يصبح هاجس (الجريمة التالية) هو المحرك الأساسي للحكاية، فكلما انتهت جريمة، ننتظر أخرى، وكلما ظهرت شخصية، نتساءل إن كانت قاتلًا جديدًا، وكلما بدأ مسار درامي، نبحث عن الجثة القادمة.. هنا يتحول العمل تدريجيًا إلى مطاردة للجرائم بدلًا من مطاردة الحقيقة الأساسية التي يقوم على جوهر مسلسل (ما لم يُحكى عن بني مزار).
والأعمال التي تتناول الجرائم التسلسلية تحتاج إلى حساسية مضاعفة؛ لأنها قد تقع بسهولة في فخ جعل القاتل أكثر إثارة من الضحية، والجريمة أكثر حضورًا من آثارها الإنسانية، وهذا تحديدًا ما يجب أن تنتبه إليه الدراما: ألا تمنح الجريمة البطولة التي جاءت أصلًا لتدينها.
في النهاية، ليست المشكلة أن نرى جريمة على الشاشة.. المشكلة أن تتحول الشاشة إلى مكان نحصي فيه عدد الجرائم بدلًا من أن نفهم لماذا حدثت.. ليست المشكلة في الدم، وإنما في أن يصبح الدم بديلًا عن الفكرة، وليست المشكلة في الظلام، وإنما في أن يصبح الظلام بديلًا عن الرؤية، وليست المشكلة في السحر، وإنما في أن يصبح السحر بديلًا عن المنطق الذي يقوم عليه العمل الدرامي.
وليست المشكلة في الأداء العالي الانفعال، وإنما في أن يتحول الانفعال إلى بديل عن الصدق.. الدراما ليست مشرحة، وعدد الجثث لا يساوي عدد الأفكار.. الفن الذي يقترب من الجريمة عليه أن يسأل عنها، لا أن يكتفي بعرضها، وعليه أن يرى الضحية قبل أن يفتن بالقاتل، وأن يبحث عن الإنسان خلف الجريمة، لا أن يجعل الجريمة هى الإنسان الوحيد في الحكاية. المعروضة على الشاشة.
(ما لم يُحكى عن بني مزار) يضع أمامنا سؤالًا أكبر من الجريمة نفسها: هل لدينا حكاية عن الجريمة، أم أن الجريمة هى كل ما لدينا؟.. لأن الجمهور قد يذهب إلى السينما بحثًا عن الخوف، لكنه في النهاية يستحق أن يخرج منها ومعه شيء أكثر قيمة من الخوف، على العكس تماما مما حدث في الدراما التلفزيونية (ما لم يُحكى عن بني مزار).