
بقلم الدكتور: إبراهيم ابوذكري
إلى (العبقري) وزير التربية والتعليم، وإلى كثيرين ممن يجلسون اليوم على كراسي القرار هذه الأيام، أتعجب منكم وكأن أول قرار يتخذه عندما يجلس على الكرسي هو أن ينتزع من قلبه الرحمة والإحساس بالناس وفقدان السمع: اسمح لي أن أقولها لك بلا مقدمات، وبلا مساحيق لغوية: أنتم لا تديرون ملفًا إداريًا.. أنتم تتعاملون مع مستقبل ملايين الأسر المصرية بل مستقبل مصر بالانتماء أو كراهيه اليوم الذي ولدوا فيه.
وهنا يصبح الخطأ في القرار ليس مجرد خطأ في ورقة أو لائحة، وإنما فاتورة يدفعها أب وأم من قوت يومهما، ويدفعها طالب من أعصابه ومستقبله، ولذلك أقول لك: لا تفسدوا بأيديكم ما يحاول المصريون إصلاحه بأيديهم.. مصر ليست كلها طبقة قادرة على تحمل كل جديد تضعونه على كاهل الأسرة.. هناك ملايين الأسر المتوسطة التي تعيش بالحساب، وتحسب مصروف البيت بالجنيه، وتقتطع من احتياجاتها حتى تستطيع أن تعلم أبناءها.
الأب يدفع من راتبه، والأم توفر من احتياجاتها، والأسرة كلها تراهن على الابن.. لماذا؟.. لأنهم يعرفون أن التعليم هو الطريق الوحيد أمام أبنائهم للخروج إلى مستقبل أفضل.. فلماذا تصرون على أن تجعلوا الطريق أكثر صعوبة؟
ثم نأتي إلى الدين.. يا سيادة وزير التربية والتعليم: الإيمان يا معالي وزير التربية والتعليم: ليس مادة دراسية تُحشى في رأس الطالب ثم نختبره فيها تحت سوط النجاح والسقوط.. معظم المصريين مسلمون ومسيحيون، متدينون بالفطرة، يعرفون ربهم بالفطرة، ويعيشون إيمانهم في بيوتهم وقلوبهم قبل أن يدخلوا المدرسة.

فقط اجلس أمامه وأجب
المسلم البسيط الذي يذهب إلى الحج قد لا يكون عالمًا بالفقه، وقد لا يحفظ من القرآن إلا الفاتحة و(قل هو الله أحد)، ويعرف ما تيسر له من الصلاة والتحيات، لكنه يذهب إلى بيت الله بقلب ممتلئ بالإيمان.. وهناك من يعلمه ويرشده ويصحح له مناسكه.
لأن العبادة ليست مسابقة درجات.. ولأن ربنا رب قلوب، والإيمان لا يُفرض بقوة السلاح، ولا بالخوف، ولا بالإرهاب النفسي، ولا بتحويل الطالب إلى شخص مذعور من ورقة الامتحان.. الدين أعمق من ذلك بكثير.
وإذا كنت ترى أن المسألة مجرد معلومات يمكن لأي مسؤول أن يتحدث فيها، فأنا أقدم لك تحديًا واضحًا لا يحتاج إلى لجان ولا مؤتمرات: اجلس أمام طالب أزهري من خريجي الأزهر.. دعه يسألك في الشريعة والفقه الإسلامي.
لا تجهز الأسئلة مسبقًا.. لا تستعن بمستشار.. لا تفتح كتابًا.. فقط اجلس أمامه وأجب، وإذا حصلت على درجتين من عشر درجات، فسأمنحك أنا لقب وزير التربية والتعليم مع مرتبة الشرف!
ولست هنا أستعرض معرفتي، ولا أنتقص من شخصك.. أنا أقول شيئًا بسيطًا: من يقرر ما يتعلمه أبناؤنا، يجب أن يعرف أولًا ماذا يضع أمامهم ولماذا، ومن يفرض على الطالب مادة أو اختبارًا أو عبئًا جديدًا، عليه أن يكون قادرًا على الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا سيضيف هذا إلى عقل الطالب؟ وماذا سيضيف إلى مستقبله؟
يا سيادة وزير التربية والتعليم.. لا تجعلوا الأسرة المصرية تدفع ثمن التجارب.. اتركوا للآباء والأمهات فرصة أن يفعلوا ما عجزتم أنتم عن فعله طوال سنوات طويلة:
أن يصلحوا تعليم أبنائهم.. هناك أب يبيع جزءًا من راحته من أجل درس.. وأم تؤجل احتياجاتها من أجل مصروف مدرسة.. وأسرة كاملة تتنازل عن أشياء كثيرة حتى يحصل الابن على فرصة حقيقية في التعليم.
هذه الأسرة ليست عدوًا لكم.. هذه الأسرة هي شريك الدولة الحقيقي، وإذا كانت الدولة تريد أن تواجه المستقبل، فعليها أن تنظر إلى هؤلاء باعتبارهم استثمارها الحقيقي، لا باعتبارهم مصدرًا جديدًا للرسوم والأعباء والقرارات.

أي مستقبل نريد؟
العالم يتغير بسرعة مذهلة.. الذكاء الاصطناعي يغير سوق العمل.. التكنولوجيا تعيد تشكيل المهن.. المنافسة العالمية لم تعد بين دول فقط، وإنما بين عقول، ونحن بدلًا من أن نفتح الطريق أمام أبنائنا ليتعلموا العلوم والتكنولوجيا واللغات والمهارات الجديدة، نُغرق الأسرة في معارك جانبية ونضيف عليها أعباء جديدة.
ثم انتبهوا إلى ما يسمى مجازًا بـ (حزب الكنبة).. لا تستهينوا به.. هؤلاء ليسوا مجموعة من الكسالى كما يحلو للبعض أن يصورهم.
هؤلاء ملايين المصريين الذين ظلوا سنوات طويلة يتحملون ويصبرون، والذين وقف كثير منهم إلى جانب الدولة والرئيس عبد الفتاح السيسي في أصعب المراحل، لأنهم كانوا يعتقدون أن الدولة في النهاية ستسمع صوتهم وتحمي مصالحهم.
لكن ماذا يحدث الآن؟.. لقد وضعتم هذا المواطن أمام الحائط.. ثم ضغطتم عليه.. ثم زدتم الضغط.. ثم طلبتم منه أن يظل صامتًا، وهنا أقول لكم: لا تراهنوا على الصمت إلى الأبد.. فالصمت ليس دائمًا رضا., والتحمل ليس دائمًا قبولًا.. والصبر ليس شيكًا على بياض.
كثرة الضغط تولد الانفجار، وهذه ليست جملة للتهويل، وإنما قاعدة يعرفها كل من يفهم طبيعة المجتمعات.. المواطن يستطيع أن يتحمل غلاء المعيشة، ويتحمل صعوبة الحياة، ويتحمل القرارات الصعبة عندما يفهم سببها ويشعر أن الجميع يتحملها معه.، لكنه يبدأ في الغضب عندما يشعر أن القرارات تأتي دائمًا فوق رأسه، وأن المطلوب منه أن يدفع ويدفع ويدفع، بينما لا يجد من يسمعه.

التعليم لا يبنى بالخوف
يا سيادة وزير التربية والتعليم.. لا تجعلوا المصري الذي وقف مع الدولة يشعر أن الدولة أصبحت تقف ضده.. لا تجعلوا الأب الذي ضحى من أجل تعليم ابنه يشعر أن ابنه أصبح ضحية لقرارات التعليم..لا تجعلوا الطالب يكره المدرسة.. ولا تجعلوا الأسرة تكره كل صباح جديد يحمل قرارًا جديدًا.. فالتعليم لا يبنى بالخوف.. والأوطان لا تبنى بإرهاق الأسر.. والأجيال لا تُصنع بالتهديد.. الأجيال تُصنع بالثقة.
وأقولها لك في النهاية، وبكل وضوح: أنا لا أطلب منك أن تتراجع لأنك ضعيف، وإنما أطالبك أن تراجع لأنك مسؤول.. الكرسي يعطيك سلطة القرار، لكنه لا يعطيك حق الخطأ بلا حساب، والمنصب يعطيك القدرة على إصدار القرار، لكنه لا يمنحك حصانة من سؤال الناس: لماذا؟.. وهذا السؤال هو أخطر ما يجب أن تسمعه أي حكومة.
فإذا كان القرار لصالح الناس، اشرحوه لهم.. وإذا كان يحتاج إلى تعديل، عدلوه.. وإذا كان خطأ، امتلكوا شجاعة الاعتراف، أما أن تضعوا ملايين الأسر المصرية أمام الحائط، ثم تطلبوا منها أن تصفق.. فهذه ليست إدارة دولة.. هذه مغامرة بصبر شعب.
ويا سيادة وزير التربية والتعليم: لا تختبروا صبر المصريين.. فهذا الشعب قد يصمت طويلًا.. وقد يتحمل كثيرًا.. وقد يعطي المسؤول فرصة بعد فرصة، لكن عندما يشعر أن مستقبله ومستقبل أولاده أصبحا في مرمى القرارات، فإن (حزب الكنبة) نفسه قد يترك الكنبة، ويقف ليسأل: إلى أين؟ ولماذا؟ ومن أجل من؟
وعندها لن يكون السؤال عن وزير أو قرار، بل عن ثقة مواطن في دولته، وهذه الثقة إذا اهتزت، لا تعيدها لائحة جديدة ولا قرار وزاري جديد.. الثقة تُبنى بالرحمة.. وبالعقل.. وبالإحساس بالناس، وهذه بالضبط هي الأشياء التي لا يجوز أن يفقدها من يجلس على كرسي القرار.