قبل النهاردة كتبها (الأبنودي) في حالة حب، ولحنها الشريعي في 7 ساعات، وغنتها وردة بمزاج!

كتب : أحمد السماحي
من أرق الأغنيات العاطفية التى غنتها أميرة الغناء العربي (وردة) رائعتها الغنائية (قبل النهارده)، كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، وتلحين الموسيقار عمار الشريعي، والتى قدمت عام 1988، وتعتبر أخر أغنية طويلة إستمع إليها الجمهور المصري والعربي.
بعدها ـ وقبلها ـ بدأ عصر الأغنية القصيرة بقوة، وودع الجمهور عصر الأغنية الطويلة إلى الأبد وحتى الآن، وكانت (قبل النهاردة) آخر أغنية طويلة تعزفها الفرقة الماسية بقيادة (أحمد فؤاد حسن) على المسرح، بعدها قدمت (وردة) مع نفس الفرقة أغنيتها الشهيرة (طبعا أحباب) لكنها لم تكن من الأغنيات الطويلة.
أغنية (قبل النهاردة) تستحق الآن قراءة تتجاوز فكرة (أغنية حب) لأن (عبد الرحمن الأبنودي) كتبها وهو في حالة حب، ويعيد اكتشاف نفسه من خلال الحب، بينما حوّل (عمار الشريعي) هذه الحالة النفسية إلى بناء موسيقي طويل ومتدرج بشكل رائع جدا، وغنتها (وردة) بمزاج عالي جدا، وبصوت امرأة تشعر أن حياتها العاطفية بدأت من جديد.
أهم ما يلفت الأنتباه في كلمات (الأبنودي) أنه لا يقول لحبيبته ببساطة أحبك، وإنما يذهب إلى منطقة أعمق بكثير يلغي حياته السابقة كلها تقريبًا، ويقول: (أنا ياما قلت خلاص وقلت فات الوقت، أتاري عمري يا ناس يبتدي دالوقت).
هذه ليست مجرد جملة غرامية، إنها إعادة تأريخ للحياة، وهنا (الأبنودي) يجعل لحظة الحب فاصلاً زمنياً هناك (قبل)، وهناك (الآن)، وما كان قبل الحب يبدو فجأة كأنه حياة عاشها شخص آخر.
وهنا تأتي واحدة من أجمل أفكار الأغنية (وكأني أول مرة بتبسم، وكان عمر القلب ما اتألم) الحب هنا لا يضيف تجربة جديدة إلى الإنسان فقط، بل يمحو ذاكرة الألم مؤقتًا، ويمنحه إحساس البراءة الأولى، ولذلك يقول: (بتعلم الدنيا من الأول من الأول، وبغني من قلبي واتكلم)، كأنه طفل يتعلم الكلام والغناء والابتسام للمرة الأولى.

(قبل النهاردة) مرثية حياة ومولد حب
تبدأ أغنية (قبل النهاردة) من عنوان عبقري، فالعنوان ليس تقليديا، ولم يقل حبيبي، ولا معاك، ولا الحب، وإنما (قبل النهاردة) وهذه العبارة تتكرر باعتبارها مفتاح الأغنية:
وكلمة قلتها قبل النهاردة، ما هيش صوتي وأنا ما قلتهاهش
وضحكة ضحكتها قبل النهاردة، ماهيش مني وأنا ما ضحكتهاش
وأيام عشتها قبل النهاردة، مهيش عمري وأنا ما عشتهاش
هنا يبلغ (الأبنودي) واحدة من أكثر المناطق الشعرية جرأة، إنكار الماضي بالكامل لصالح الحاضر، هو لا يقول الحاضرأجمل من الماضي، وإنما يقول شيئًا أكثر تطرفًا وجمالًا الماضي: (لم يكن أنا).
والكلمة القديمة ليست كلمته، والضحكة القديمة ليست ضحكته، والأيام القديمة ليست عمره، وهذا بالضبط ما يجعل الأغنية مختلفة عن أغنيات الحب التقليدية، فهي لا تصف الحبيب بقدر ما تصف التحول الذي أحدثه الحبيب في شخصية المحب.
فيقول: (وقبلك دنيتي يا حبيبي أنا ما عرفتهاش) هذه الجملة تتكرر، والتكرار هنا ليس حشوًا إطلاقًا، ويقول أيضا: (حبيبي معاك عرفت أرتاح وأهدى، وقبلك دنيتي يا حبيبي أنا ما عرفتهاش) ثم: (وقبلك كله مش محسوب عليه، وقبلك ضاعت الأيام بلاش).
الأبنودي هنا يعيد تعريف الزمن، فالعمر ليس عدد السنوات التي عاشها الإنسان، وإنما عدد اللحظات التي شعر فيها أنه حي|، وهنا يمكن فهم لماذا تبدو الأغنية شديدة الخصوصية إذا ربطناها بحالة الأبنودي العاطفية في تلك المرحلة، فالشاعر لا يكتب عن حب نظري أو قصة متخيلة، بل يتحدث من داخل تجربة شخصية كان يعيشها مع عروسه الأعلامية (نهال كمال)، جعلته يشعر أن الحياة نفسها أعادت تقديم نفسها إليه.
ثم تأتي المفاجأة الأجمل: (باعتني الدنيا وانت اللي اشتريتني) في المقطع الثاني يرتفع منسوب الامتنان (وليه أندم وانت أندم، باعتني الدنيا وانت اللي اشتريتني) الصورة شديدة الأبنودية، الدنيا باعت، والحبيب اشترى، لكن الشراء هنا ليس امتلاكًا، وإنما إنقاذ واسترداد لقيمة الإنسان.
ثم يقول: (رديت اللي ضاع مني في ثواني، وخليتني كأني حد تاني) وهذه الجملة هي، في رأيي، قلب الأغنية كله، ـ (كأني حد تاني) ـ فالمرأة التي تتكلم في الأغنية لم تصبح سعيدة فقط، لقد أصبحت شخصًا آخر.
ولهذا تأتي بعدها: (ده ما فيش للفرحة تاني مكان في قلبي، وكأن الفرحة مخلوقة عشاني)، هنا ينتقل (الأبنودي) من وصف الحب إلى فلسفة الفرح، فيقول (لاقيت الفرحة ساكنة في قلبي صدفة، وصدقني أنا ما اخترتهاش) وهذه من أجمل الصور في النص.
فالفرحة لم تكن قرارًا، الحب جاء، فاكتشف الإنسان أن الفرح كان موجودًا بداخله أصلًا، لكنه لم يكن يعرف الطريق إليه، وهذه نقطة شديدة الذكاء في الكتابة، الحبيب لا يصنع قلبًا جديدًا، وإنما يفتح بابًا داخل القلب القديم.

أحلى كلمة يا حبيبي
ثم واحدة من أكثر مناطق الأغنية عذوبة (واتاري أحلى كلمة يا حبيبي في صوتي هيه كلمة يا حبيبي)، لاحظ كيف يتحول لفظ (حبيبي) نفسه إلى موضوع غنائي.
فالكلمة التي تنطقها المرأة تصبح أجمل كلمة في صوتها، ثم (وبتعلم معاك أحب عمري، وبتعلم معاك أرضى بنصيبي)، وهنا يبلغ النص درجة ناضجة جدًا.. الحب لم يعد مجرد (أريدك)، وإنما أحب عمري لأنك فيه، وهذا فرق هائل بين الحب الرومانسي الساذج، والحب الناضج.
ثم (ما نيش عايزة من الدنيا ده حاجة، حبيبي اداني منها كل حاجة) أي أن الحبيب أصبح اختصارًا للدنيا كلها، (واتاري العمر قبله لا راح ولا جاء) وهذه ربما من أخطر جمل الأغنية فلسفيًا.
لاحظ التناقض الجميل، العمر الذي ظننا أنه مضى لم يمضِ، والعمر الذي ظنناه مقبلًا لم يأتِ، إذن ماذا كان؟ كان انتظارًا، وهكذا يصبح الحب ليس محطة في العمر، بل بداية العمر نفسه.
ثم يدخل الأبنودي منطقة الأسطورة، فيقول (يا غنوة حب ما تغنتش قبلي، ومن قبلك أنا ما سمعتهاش)، الحبيب هنا أصبح أغنية لم يسمعها أحد من قبل.
ثم: (يا جنة مجمعة الأفراح في صحبة، ومن قبلك أنا ما دخلتهاش)، الجنة هنا ليست مكانًا دينيًا، وإنما المكان العاطفي الذي اكتشفته المرأة لأول مرة.
ثم تأتي الضربة وهو يقول: (قال كان قلبي عايش قبله، واتاري قلبه عمره ما يوم ما عاش)، هذه الجملة تختصر فلسفة الأغنية كلها القلب كان ينبض، لكنه لم يكن يعيش!.

نورنا يا قلبي شمعة
أما المقطع الأخير فهو مختلف تمامًا، فجأة نخرج من الحديث المباشر بين الحبيبين إلى الحياة نفسها (نورنا يا قلبي شمعة كنا طفيناها، وقلنا كلمة زمان كنا نسيناها).
ثم: (وقلنا عشنا السنين، واتارينا مش عارفين، إن السنين لسه لينا فيها أحلاها)، هنا يصبح الحب استعادة للأمل، لقد ظن الإنسان أنه استهلك عمره، فإذا به يكتشف أن أجمل ما فيه لم يحدث بعد.
وهذه من أجمل أفكار الأغنية، أن الإنسان قد يظن أن عمره انتهى عاطفيًا، ثم تأتي لحظة واحدة تجعله يكتشف أن أجمل سنواته كانت مختبئة في المستقبل.
ويقول الأبنودي (مين اللي هز القلوب تاني وصحاها؟) السؤال هنا ليس عن الحبيب فقط، إنه عن المعجزة العاطفية التي حدثت، فالقلوب كانت ساكنة، والليالي فقدت ابتسامتها، والسنون بدت مستهلكة، ثم جاء شخص واحد فأعاد تشغيل كل شيء.
والنهاية شديدة السينمائية، (وقلبي يا ناس عاللي بيعرفوني، دول معاهم حق لما يحسدوني، طب أعمل إيه أخبي، إزاي وليه أخبي، منا لو أخبي يا قلبي، تفضحني عيوني).
يا لها من نهاية! (الأبنودي) يبدأ الأغنية باعتراف داخلي: (أنا ياما قلت خلاص)، وينهيها باعتراف لا يستطيع صاحبه إخفاءه، (تفضحني عيوني).
أي أن الرحلة بدأت من الداخل وانتهت إلى الفضح أمام العالم، الحب الذي حاول صاحبه أن يصفه بالكلمات أصبح أكبر من الكلمات، وأصبح ظاهرًا في العينين.

عبقرية الشريعي وأداء (ورده) المتمكن
والحقيقة أن (ورده) أبدعت وهى تغني الأغنية، وقدمتها كأنها مرثية حياة، وحكاية حب أعاد النبض إلى قلبها مجددا، وحدث تداخل شديد الخصوصية بين صوت المغنية وشخصية النص.
فـ (وردة) كانت تمتلك قدرة استثنائية على أداء الجملة العاطفية الطويلة، وليس مجرد غناء الكلمات، ولذلك فإن عبارات مثل (حبيبي معاك عرفت أرتاح وأهدى)، أو (وبتعلم معاك أحب عمري) تحتاج إلى صوت يستطيع أن يحمل الراحة والامتنان والدهشة في الوقت نفسه.
وهنا تظهر قيمة اللحن، الذي أبدعه العبقري (عمار الشريعي) فهو لم يلحّن كلامًا فقط، ولكنه ألبسه بث فيه الحياة، وأنجز اللحن في نحو سبع ساعات، وهذا في حد ذاته مثير جدًا، لأن النص طويل ومشحون بالأفكار والصور، ومع ذلك لا يشعر المستمع أنه أمام قصيدة طويلة جرى تلحينها في هذا الوقت القياسي.
والشريعي كان أمام مشكلة فنية صعبة، كيف يحول نصًا طويلًا إلى رحلة شعورية لا يشعر معها المستمع بالملل؟ والحل كان في أن الموسيقى تتحرك مع تطور الحالة النفسية، ولهذا فإن طول الأغنية ليس عيبًا فيها، بل هو جزء من فكرتها.
والخلاصة التي أراها (قبل النهارده) ليست أغنية تقول (أنا أحبك)، بل تقول شيئًا أعمق (أنا لم أعرف نفسي إلا عندما أحببتك) وهذا هو سر قوتها.
(الأبنودي) لم يكتب للحبيب قصيدة مديح، وإنما كتب سيرة ذاتية قصيرة لإنسان اكتشف أن حياته القديمة لم تكن حياته الحقيقية، ولذلك فإن العبارة الأكثر اختصارًا للأغنية كلها، في رأيي، ليست (حبيبي)، وإنما (وخليتني كأني حد تاني) لأنها تلخص المعجزة التي أراد الأبنودي أن يحكيها، وأبدعت فيها (وردة) بلحن العبقري عمار الشريعي.