
بقلم الكاتب المسرحي الإمارتي: عمر عبيد غباش
تحدثت في المقال السابق عن الدور الذي يمكن أن يقوم به (الفن) والدراما في سرد ما عاشه الإنسان العربي خلال العقود الماضية من حروب وصراعات وتدخلات خارجية وانتشار للجماعات المسلحة، وعن أهمية أن تتحول بعض هذه الوقائع إلى أفلام ومسلسلات ومسرحيات وأعمال وثائقية تحفظ الذاكرة وتكشف للمشاهد ما تركته تلك الأحداث من آثار إنسانية واجتماعية واقتصادية.
ولكن هناك سؤالاً مكملاً لا يقل أهمية: من سيمكّن الفنان من القيام بهذا الدور؟.. فالكاتب يستطيع أن يكتب، والمخرج يستطيع أن يمتلك الرؤية، والفنان يستطيع أن يؤدي دوره، ولكن العمل الفني، وخصوصاً السينمائي والتلفزيوني، يحتاج إلى إنتاج وتمويل ومنصات عرض وتسويق. ومن هنا تبدأ، في رأيي، مسؤولية المؤسسات الإعلامية العربية.
لدينا اليوم قنوات تلفزيونية ومنصات رقمية وشركات إنتاج ومؤسسات إعلامية عربية تمتلك إمكانات مالية وفنية وتقنية كبيرة.. وقد نجح بعضها في إنتاج أعمال ضخمة حققت انتشاراً واسعاً عربياً ودولياً.. فلماذا لا يخصص جزء من هذه الإمكانات لإنتاج أعمال تتناول القضايا التي مست أمن مجتمعاتنا واستقرارها ومستقبل أبنائها؟
ولا أتحدث هنا عن إنتاج أعمال دعائية أو مسلسلات تقدم خطاباً سياسياً مباشراً؛ لأن الفن عندما يتحول إلى منشور سياسي يفقد الكثير من قوته وتأثيره.. ما نحتاج إليه هو (الفن) في صورة دراما حقيقية، تمتلك شخصيات وحكايات وصراعات إنسانية مقنعة، وتستند في الوقت نفسه إلى البحث والتوثيق والوقائع.

ساحة لنفوذ جماعة مسلحة
يمكن مثلاً أن تدعم المؤسسات الإعلامية مسلسلاً يتناول حياة أسرة عربية تغيرت حياتها بعد أن أصبحت مدينتها ساحة لنفوذ جماعة مسلحة، أو فيلماً عن شاب يجد نفسه أمام محاولات التجنيد والاستقطاب، أو عملاً عن رجل أعمال يفقد تجارته بسبب الفوضى والحرب، أو عن عائلة تضطر إلى الهجرة بعد أن فقدت منزلها وأمنها.
ومن خلال هذه القصص يمكن أن نقترب من قضايا أكبر: انتشار السلاح خارج سلطة الدولة، وتمويل الجماعات المسلحة، والتدخلات الخارجية، وتأثير الأيديولوجيا المتطرفة في الشباب، وما تتركه كل هذه الممارسات من نتائج على الاقتصاد والتعليم والثقافة وحياة الإنسان، لكن إنتاج مثل هذه الأعمال من (الفن) يحتاج إلى أكثر من مجرد ميزانية.. نحن بحاجة إلى مشروع إعلامي وثقافي متكامل.
يمكن للمؤسسات الإعلامية، على سبيل المثال، إنشاء صناديق أو برامج سنوية لدعم الأفلام والمسلسلات والأعمال الوثائقية التي تتناول قضايا الأمن والاستقرار والهوية والوعي الوطني والعربي. ويمكن فتح المجال أمام الكتّاب والمخرجين لتقديم مشاريعهم، ثم اختيار أفضلها من خلال لجان تضم فنانين ومثقفين وباحثين ومتخصصين.
كما أرى ضرورة أن توفر المؤسسات المنتجة للكتّاب قواعد معلومات ووثائق ودراسات وشهادات حقيقية تساعدهم على بناء أعمالهم. فالكتابة عن أحداث العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، وعن أدوار الحرس الثوري أو الجماعات المرتبطة به، لا ينبغي أن تعتمد على الانطباعات أو الأخبار المتداولة، وإنما على بحث مهني دقيق يحمي العمل من المبالغة والأخطاء.

ليس مجرد موقف سياسي
وهنا يمكن أيضاً للمؤسسات الإعلامية التعاون مع مراكز البحوث والجامعات ومراكز الأرشيف الوطنية والمؤسسات الثقافية، بحيث يصبح العمل الفني نتيجة معرفة حقيقية وليس مجرد موقف سياسي، والمسؤولية لا تتوقف عند الإنتاج.. فما فائدة أن نصنع فيلماً مهماً ثم لا يشاهده إلا جمهور محدود؟
على القنوات والمنصات العربية أن تمنح هذه الأعمال مساحة حقيقية للعرض والترويج، وأن تعمل على ترجمتها إلى لغات أخرى والمشاركة بها في المهرجانات الدولية. فالقصة العربية لا ينبغي أن تبقى موجهة إلى العرب فقط، خصوصاً عندما تتناول أحداثاً كان لها تأثير إقليمي ودولي.
وأعتقد أن القطاع الخاص أيضاً مطالب بالمشاركة.. فالمسؤولية الاجتماعية للشركات لا تقتصر على المبادرات الخيرية، بل يمكن أن تمتد إلى دعم الثقافة والفنون والمشاريع التي تعزز وعي المجتمع وتحفظ ذاكرته.
لقد أنفقت منطقتنا الكثير لمواجهة آثار الحروب والصراعات أمنياً واقتصادياً وإنسانياً، وربما علينا أن نستثمر جزءاً من ذلك أيضاً في مواجهة آثارها فكرياً وثقافياً.. فإذا كان (الفن) قادراً على سرد الوجع، كما قلت في المقال السابق، فإن المؤسسات الإعلامية هي التي تستطيع أن تمنحه الصوت والصورة والمنصة التي يصل من خلالها إلى الملايين.
والمطلوب ليس صناعة أفلام ومسلسلات دعائية، وإنما صناعة إنتاج فني يؤدي إلى الوعي؛ لأن العمل الفني الجيد قد ينتهي بعد ساعة أو ثلاثين حلقة، لكن الفكرة التي يزرعها في عقل المشاهد قد تبقى لسنوات.