
بقلم المستشار: محمود عطية
تمامًا مثل ضرب (الشعوب) بالمخدرات، ومن قبل قالوا عن الدين إنه أفيون (الشعوب)، بل هم الذين أوصلوا الشعوب إلى ذلك، وخاصة في منطقتنا العربية، يبدو أن هناك وصفة سحرية جديدة للتعامل مع الأزمات لا تحتاج إلى مصانع، ولا إلى خطط اقتصادية، ولا إلى اجتماعات طويلة، ولا حتى إلى قليل من التفكير.
فكل ما تحتاجه هو منصة مضاءة جيدًا، وحفنة من المشاهير، ومهرجان طويل، وبعض الحفلات والتكريمات، ثم اترك الناس يتابعون التصفيق، بينما تتكفل الأزمات ببقية التفاصيل.
فـ (الشعوب) في المنطقة تعيش فوق برميل من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، ومع ذلك يبدو أن البعض قرر أن أفضل وسيلة لمواجهة هذا الواقع هى أن نرفع صوت الموسيقى حتى لا نسمع صوت الواقع نفسه.
هناك حروب وتوترات وتهديدات أمنية، واقتصادات تعاني، وضغوط على الغذاء والدواء، ومواطنون يبحثون عن حياة أكثر استقرارًا.. ومع ذلك نجد سباقًا محمومًا نحو المهرجانات والحفلات والمعارض والتكريمات، وكأن المنطقة أعلنت انتصارها على الفقر والبطالة والديون والأزمات، ولم يبق أمامها سوى أن تحتفل بالنصر.
أي عقل هذا الذي يعتقد أن الأزمات تختفي إذا وضعنا فوقها سجادة حمراء؟.. وأي عبقرية هذه التي تتصور أن المواطن الذي يخشى على مستقبله سيطمئن لمجرد أن أحد المشاهير ظهر على شاشة ضخمة وسط الأضواء والتصفيق؟
المشكلة ليست في وجود حفلة هنا أو مهرجان هناك، فالمشكلة في العقلية التي تجعل الاستعراض يبدو أحيانًا وكأنه مشروع قومي، بينما يصبح العمل والإنتاج والتصنيع والتصدير مجرد عناوين ثقيلة لا تحظى بنفس الأضواء.

البديل عن مواجهة الواقع
نحن لا نتحدث عن تحريم الفرح، ولا عن مطالبة الناس بأن يعيشوا في حالة حداد دائم.. فالإنسان يحتاج إلى الترفيه، وهذا أمر طبيعي، لكن هناك فرق هائل بين مجتمع يعرف كيف يرفه عن نفسه في حدود إمكاناته، وبين مجتمع يتعامل مع الترفيه وكأنه البديل عن مواجهة الواقع.
و(الشعوب) في المنطقة العربية تحتاج الآن إلى التفكير أكثر من حاجتها إلى المزيد من الضجيج.. تحتاج إلى مصانع، لا إلى مزيد من منصات التصوير، وتحتاج إلى صادرات، لا إلى مزيد من بيانات العلاقات العامة، وتحتاج إلى إنتاج الغذاء والدواء، لا إلى المزيد من حفلات توزيع الجوائز، وتحتاج إلى تعليم، وبحث علمي، وتكنولوجيا، وصناعة، ودعم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحتاج إلى اقتصاد يستطيع الصمود عندما تهب العاصفة.
أما أن ننفق، ثم نطلب من المواطن أن يتحمل التقشف، وأن يفهم الظروف، وأن يضغط مصروفاته، وأن ينتظر أيامًا اقتصادية صعبة، ثم يرى في الجهة الأخرى مظاهر إنفاق وترفيه ضخمة، فمن الطبيعي أن يسأل عن المنطق.
وفي مصر تحديدًا تصبح المسألة أكثر حساسية، فالمواطن يسمع عن ضرورة ترشيد الإنفاق، وعن صعوبة المرحلة، وعن الضغوط الاقتصادية، وعن أهمية العمل والإنتاج وزيادة الصادرات، ثم يفتح هاتفه فيجد عالمًا آخر تمامًا؛ عالم الحفلات والتكريمات والاستعراضات، عالم لا يبدو فيه أن أحدًا سمع شيئًا عن التقشف.
وهنا لا يستطيع المواطن إلا أن يسأل بسخرية مريرة: هل التقشف مخصص للمواطن فقط، أم أن هناك تقشفًا بنظامين؟.. وهل المطلوب من المواطن أن يحسب ثمن كل سلعة، بينما لا يجوز له أن يسأل عن فاتورة الاستعراض؟.. وهل عليه أن يقلل استهلاكه، بينما تزداد شهية بعض الفعاليات للإنفاق؟
هذه الأسئلة ليست عداءً للترفيه، وإنما دفاع عن الأولويات، فالدولة التي تمر بظروف صعبة عليها أن تعرف أين تضع كل جنيه، والمجتمع الذي يواجه أزمات متراكمة عليه أن يعرف أين يضع اهتمامه، أما تحويل الوعي العام إلى شاشة كبيرة من الإعلانات والوجوه اللامعة والاحتفالات المتتالية، فهو في النهاية نوع من الإلهاء، حتى لو لم يعترف أحد بذلك.
والسؤال الأخطر هو: ماذا سيحدث عندما تنتهي الحفلة؟.. ستُطفأ الأضواء، وسيعود المشاهير إلى حياتهم، وسيعود الجمهور إلى بيوته، وستختفي السجادة الحمراء، لكن الأزمة الاقتصادية لن تختفي، والدين لن يختفي، والبطالة لن تختفي، والعجز الإنتاجي لن يختفي، ومشكلة الدواء والغذاء لن تختفي، والتهديدات الأمنية لن تختفي.

الحفل أسهل من المصنع
فلماذا إذن نتصرف وكأن الحفل هو الحل؟.. ربما لأن الحفل أسهل من المصنع، والتكريم أسهل من الإنجاز، والتصوير أسهل من الإنتاج، والكلام عن النجاح أسهل بكثير من صناعة النجاح.
إن بناء مصنع يحتاج سنوات من العمل والتخطيط والتمويل والخبرات، أما إقامة مهرجان فلا يحتاج إلا إلى ميزانية ومنصة وإضاءة وعدسات.. ولهذا يبدو الاستعراض دائمًا أكثر جاذبية لمن يريد إنجازًا سريعًا في الصورة، لا في الواقع، وهنا نصل إلى أزمة أعمق من الحفلات نفسها: أزمة تعريف النجاح.
لماذا أصبح النجاح في بعض الأحيان هو أن تكون مشهورًا؟ ولماذا أصبح الظهور أهم من الإنجاز؟.. ولماذا أصبح الترند أكثر قيمة من الخبرة؟ ولماذا يتسابق الناس على متابعة تفاصيل حياة المشاهير، بينما لا يعرف كثيرون شيئًا عن عالم الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا أو التصدير؟.. ولماذا يمكن لشخص أن يصبح حديث الناس لمجرد أنه ارتدى شيئًا مثيرًا للجدل، بينما يمر عالم أو مهندس أو طبيب أو عامل ماهر بصمت كامل؟
هذه ليست مشكلة المشاهير وحدهم، إنها مشكلة مجتمع وإعلام ومنصات رقمية وجمهور، فالجمهور يحصل على ما يطلبه، والإعلام يطارد ما يحقق المشاهدة، والمنصات تضخم ما يثير الفضول، فتنشأ دائرة مغلقة: ابتذال يولد مشاهدة، والمشاهدة تولد مالًا، والمال يولد مزيدًا من الابتذال.. ثم يأتي أحدهم ليخبرنا أن هذا كله قوة ناعمة.
لا يا سادة، القوة الناعمة ليست أن تجعل الناس يتحدثون عنك لمدة يومين.. القوة الناعمة أن تجعل العالم يحتاج إلى منتجك، أو يحترم علمك، أو يقرأ كتابك، أو يشاهد عملًا يبقى في الذاكرة، أو يتعلم من جامعاتك، أو يبحث عن تجربتك الاقتصادية، أما صناعة الضجيج فهي شيء آخر تمامًا.
والأكثر إيلامًا أن هذا يحدث في وقت يعيش فيه مسلمون في أماكن مختلفة من العالم أوضاعًا إنسانية قاسية، ويبحث بعضهم عن أبسط مقومات الحياة.. ففي الوقت الذي يبحث فيه إنسان عن الطعام والدواء والأمان، نجد آخرين يتجادلون حول أسماء المدعوين إلى مهرجان جديد.

تتحول الرفاهية إلى استعراض
والمفارقة مؤلمة إلى درجة أن السخرية نفسها تصبح عاجزة، لكن المشكلة ليست في أن يفرح الناس، فالمشكلة أن تتحول الرفاهية إلى استعراض في وجه المعاناة، وأن يصبح البذخ رسالة تقول للناس: لا شأن لكم بما يحدث خارج هذه القاعة، وأن تتحول الحفلات إلى جزيرة منفصلة عن الواقع.
وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى المراجعة، وليس المطلوب أن نغلق المسارح، ولا أن نمنع الحفلات، ولا أن نعيش في كآبة دائمة.
المطلوب فقط أن نسأل السؤال الذي يبدو أن البعض يهرب منه: هل هذه هي أولوياتنا فعلًا؟ وهل ما يُنفق هنا كان يمكن أن يصنع فرصة عمل هناك؟ وهل ما يذهب إلى الاستعراض كان يمكن أن يدعم مصنعًا أو مشروعًا أو تدريبًا أو بحثًا علميًا؟ وهل نستطيع تحمل هذه الأولويات في زمن الأزمات؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فليخرج المسؤولون ويشرحوا للناس بالأرقام والمنطق.. أما أن يقال للمواطن: اصبر وتحمل وتقشف، ثم يُطلب منه في الوقت نفسه أن يصفق للبذخ وكأن شيئًا لا يحدث، فهذا هو الذي يصنع الاحتقان.
و(الشعوب) ليست غبية.. قد تصفق أحيانًا لأنها تريد أن تفرح، وقد تضحك لأنها تحتاج إلى لحظة تنفس، لكنها في النهاية تعرف أن الواقع ينتظرها خلف باب القاعة، ولذلك فإن المشكلة الحقيقية ليست في الحفل، المشكلة في أن يتحول الحفل إلى فلسفة حكم.
وليست المشكلة في المشهور، المشكلة في مجتمع يضع الشهرة فوق الإنجاز.. وليست المشكلة في التكريم، المشكلة عندما يصبح التكريم بديلًا عن الإنجاز الذي يستحق التكريم.. وليست المشكلة في الترفيه، المشكلة عندما يصبح الترفيه وسيلة للهروب من الأسئلة الصعبة.
فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الإلهاء الإعلامي، وإنما تحتاج إلى يقظة. وتحتاج إلى عمل، وتحتاج إلى إنتاج، وتحتاج إلى تعاون عربي حقيقي، وتحتاج إلى صناعة وغذاء ودواء وتكنولوجيا، وتحتاج إلى عقل يقول إن الأزمة ليست مناسبة لإطفاء العقول، وإنما لإشعالها.
أما أن نواصل الرقص فوق الأزمات، ثم نستغرب عندما تستيقظ (الشعوب) على فاتورة مؤجلة، فهذه ليست سياسة، ولا اقتصادًا، ولا قوة ناعمة. إنها ببساطة محاولة لتجميل واقع لا يريد أحد أن يواجهه.
وفي النهاية ستنتهي كل الحفلات، وستزال كل المنصات، وستغلق كل الأضواء، لكن السؤال سيبقى واقفًا أمام الجميع: ماذا صنعنا عندما كانت المنطقة تمر بأصعب لحظاتها؟ هل بنينا شيئًا يبقى، أم اكتفينا بالتصفيق لشيء انتهى بانتهاء الموسيقى؟
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع