(التلي) العُماني يخطف جائزتين في الإسكندرية.. خيوط التراث تنسج انتصارًا جديدًا


كتبت: سدرة محمد
لم تأتِ (التلي) إلى الإسكندرية لتعرض حكاية عُمانية فحسب، وإنما جاءت محمّلة بذاكرة تراثية كاملة، وحين أسدل مهرجان الإسكندرية الدولي للمسرح (مسرح بلا إنتاج) الستار على دورته السادسة عشرة، كان العرض العُماني قد ترك بصمته بوضوح، عائدًا إلى سلطنة عُمان محمّلًا بجائزتي الديكور والموسيقى.
الإنجاز الجديد حققه عرض (التلي) لفرقة الصحوة المسرحية الأهلية، ضمن فعاليات المهرجان الذي أقيم في الإسكندرية خلال الفترة من 20 إلى 26 سبتمبر 2026، وشهد منافسة بين عروض مصرية وعربية وأجنبية، قدمت على مسارح قصر ثقافة الأنفوشي، وبيرم التونسي، ومكتبة الإسكندرية.
لم يكن اختيار (التلي) مجرد استعانة بعنصر من عناصر التراث العُماني، فالعرض حوّل هذه المفردة المرتبطة بصناعة وزخرفة الأزياء النسائية التقليدية إلى رمز بصري ودرامي يتحرك داخل الحكاية، ويمنح الخشبة هوية خاصة.


ينسج العرض علاقاته الإنسانية
ومن خلال خيوط (التلي) وتشابكاتها، ينسج العرض علاقاته الإنسانية، ويفتح بابًا لمناقشة قضايا الترابط الأسري والقهر والاضطهاد، في مواجهة قيم المحبة والألفة، لتصبح القطعة التراثية جزءًا من البناء الدرامي وليست مجرد خلفية للحدث.
وتدور أحداث المسرحية حول (العمة) وهي امرأة مصابة بمرض الجدري، ويؤدي قرار عزلها إلى انفجار صراعات داخل الأسرة، تتطور تدريجيًا في رحلة درامية تكشف وجوهًا متناقضة من العلاقات الإنسانية، وتضع الشخصيات أمام مواجهة بين الطهر والعفة من جهة، والقهر والانتهاك من جهة أخرى.
ولم تأتِ جائزتا الديكور والموسيقى من فراغ، إذ لفت العرض أنظار لجنة التحكيم بما قدمه من معالجة بصرية وسمعية تقوم على تكامل عناصر الفرجة المسرحية، فالديكور والإكسسوارات، بمشاركة سعيد الحبسي، لم يتعاملا مع المكان باعتباره مجرد فضاء للأحداث، بل أسهما في تأكيد الحالة التراثية والرمزية للعمل، بينما لعبت الموسيقى دورًا أساسيًا في بناء أجواء العرض وتعميق انفعالاته.
وشارك في الموسيقى علي الريامي على الكمان، وفهد التمامي على الناي والإيقاع والعود، واليقظان الهنائي على الإيقاع والعود، إلى جانب مشاركته في تنفيذ الديكور، فيما تولت عزيزة البلوشية المكياج والأزياء.

قراءة الرمز الإنساني
واللافت أن تتويج (التلي) في الإسكندرية يأتي امتدادًا لمسيرة دولية بدأت من مهرجان عشيات طقوس المسرحي الدولي في الأردن، حيث حقق العرض هناك 6 جوائز رئيسية من أصل 8، شملت أفضل عرض، وأفضل إخراج، وأفضل نص، وأفضل سينوغرافيا، وأفضل موسيقى، وأفضل ممثلة.
وبذلك أصبحت الإسكندرية المحطة الدولية الثانية للعرض، ليؤكد (التلي) أن المسرح يستطيع أن ينطلق من خصوصية المكان والتراث، ثم يعبر بها إلى جمهور عربي ودولي قادر على قراءة الرمز الإنساني حتى وإن اختلفت البيئات والثقافات.
المخرج عبد الملك الغداني وضع رهانه منذ البداية على الصورة والموسيقى باعتبارهما جزءًا من الحكاية، مؤكدًا أن التجربة سعت إلى تقديم صورة مختلفة للمسرح العُماني من خلال الابتكار في المعالجة البصرية والموسيقية.
وتأتي فكرة تشابك خيوط آلة (التلي) في قلب هذا التصور، باعتبارها مدخلًا بصريًا ودراميًا لتجسيد تشابك العلاقات بين الشخصيات، بما يجعل التراث عنصرًا حيًا داخل العرض، وليس مجرد زينة مسرحية.. وترأس الوفد العُماني في المهرجان أحمد البلوشي، بينما وقف فريق العمل خلف المخرج عبد الملك الغداني لصناعة هذه التجربة التي جمعت بين الحكاية الإنسانية والهوية العُمانية.
وهكذا غادرت (التلي) الإسكندرية وهي تحمل جائزتين جديدتين، لكن الأهم أنها تركت على خشبة مهرجان دولي صورة لمسرح عُماني يعرف كيف يحول مفرداته المحلية إلى لغة تتجاوز الحدود، ويثبت أن خيطًا واحدًا من (التلي) يمكن أن يقود إلى حكاية إنسانية كاملة.