
بقلم الباحث المسرحي: كمال زغلول
تحتل (ملكة الخيال) عند العرب مكانة خاصة، وكيف لا، وهي القوة النفسية، والقدرة الإبداعية على استحضار الصور الغائبة، لتظهر إلى العيان، ومنذ العصر الجاهلي وشعراء العربية يعتمدون على (ملكة الخيال)، لتشكيل صورة سمعية بصرية تلامس وجدان المتلقي وتؤثر فيه.
وعن ماهية (ملكة الخيال) في المعاجم العربية نوجزها بأنها إحدى قوى العقل التي يتخيل بها الأشياء القائمة في النفس، ومن شعر عنترة نتعرف على ما هو قائم بنفسه تجاه عبلة، ويبدو أن عبلة أصبحت بالنسبة له الحياة التي يعيشها، فتخيل حال قبيلتها معه، ويرسل لها هذا الخيال مسموعًا مصورًا ممثلًا، ليصبح واضحًا للعيان مؤثرًا في النفوس.
ألا يا عبلُ قد زادَ التصابي
ولجَّ اليومَ قومُكِ في عذابي
وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ
كما ينمو مشيبي في شبابي
(عنترة بن شداد)
وإذا ما تأملنا الأبيات، نجد الكلمات بتركيبها تخرج خيالًا غير محسوس إلى عالم المحسوسات، فيبدأ بالنداء (ألا)، ويخبر بزيادة التصابي (شدة الحب والعودة إلى مرحلة الشباب)، لقد حول مشاعره المتخيلة لحبه إلى عبلة إلى كلمة بليغة عبرت عن خياله الذي يريد إيصاله لها، ويخبر عن أهلها بكلمة (ولجَّ)، (وتعني الشدة والعناد) في عذابه، وتخيل عنترة حبه لعبلة بالنمو، كما ينمو الشيب بالمشيب، وهو أراد إخبارها بأن حبه ليس نزوة عابرة، بل هو حب دائم مستقر يكبر وينمو مع الأيام.
وهكذا حول عنترة الخيال إلى واقع محسوس به من الصور الواضحة التي تفي بما يفعله به قوم عبلة، وهو صابر على هذا الحال بسبب الحب الذي يعيشه، ومن (ملكة الخيال) عند شعراء العرب، واختيار عنترة كنموذج، ننتقل إلى شعراء الهلالية، وملكة الخيال العربية عندهم، وننوه بأن شعر عنترة غنائي يعبر به عن نفسه، أما شعراء الهلالية فشعرهم تمثيلي (حواري)، فملكة الخيال في الشعر التمثيلي تتخيل ما بنفس الشخصية لتخرجه للعيان.
ونبدأ مع شاعر الهلالية محمد عز الدين، في تخيله لمشهد قتل الهيص، في مبارزة جرت بينه وبين البطل أبو زيد الهلالي:

مشهد يصور قتل أبو زيد للهصيص
ركب الأمير أبو زيد فرسه، إلا وجد الهصيص بالبنات ساير، قاله: وقف عندك واخد كمان بنات العرب، نزلوا مع بعض القتال.
ونزلوا على بعض ضربات
تهز الجبال الرواسي
لتنين خدعة حركات
يقطعن والمر واصب
من الصبح لما قرب الظهر
لما اللون غير بصارات
يقطعن والمر واصب
أبو زيد أبصر عمل كيف
في الحرب راجل خلاصة
ميل على الهصيص بالسيف
فصل جثته من راسه
لقد حول الشاعر خيال المبارزة إلى واقع ملموس بصورة بليغة، واستخدم (ملكة الخيال) لتصوير الحدث، ونرى قوة المبارزة في: (ونزلوا على بعض ضربات.. تهز الجبال الرواسي)، لقد مزج الحوار بالوصف التمثيلي، مستخدمًا ملكة الخيال، ووصف قوة ضرب السيوف بينهما بأنها ضربات تهز الجبال الرواسي، فقد تخيل الشاعر هذا ليشعر المستمع المشاهد بقوة هذه المبارزة.
ولا يغيب عن هذا الشاعر زمن المبارزة وقوتها، ونرى كيفية تخيله لزمن المبارزة بقوله:
(من الصبح لما قرب الظهر
لما اللون غير بصارات
يقطعن والمر واصب)

تعبير غاية في البلاغة
لقد تخيل المبارزة من الصبح إلى قرب الظهر، وامتدت المبارزة إلى وقت أطول، ويعبر الشاعر عن هذا الوقت بتعبير غاية في البلاغة لم يخطر على بال أي مؤلف من مؤلفي المسرح.
لقد وضع المستمع المشاهد في التدرج الضوئي لشكل الفارسين أثناء المبارزة، واستنفر خياله وقدم الصورة التدرجية لشكل الفارسين بقوله: (لما اللون غير بصارات)، أي أن طول الفترة الزمنية حتى إن هذين الفارسين بصرهما أصبح متغيرًا في حالات النهار إلى الليل، والمستمع المشاهد في ذات الوقت تخيل هذا التدرج في الضوء حتى الغروب، لقد استخدم الشاعر ملكة الخيال في الشعر التمثيلي، ومزج الحوار بالوصف، وأخرج المشهد المتخيل للعيان.
وننتقل مع شاعر كبير، وهو جابر أبو حسين، لنرى ملكة الخيال العربية عنده في تخيل الحالة التي عليها رزق بن نايل:
بتخني ليه يا دهر تكسرني في العضه (العظام)
خليت دموعي مزقوا الأخفان
ألا يا عباد الله يا ميلة الزمان
ناريها الغرورة طبعها خوان
أبكي على الفرقة وعلى حيف ما جرى
دمعي سرى بل الأراضي طوفان
على ما جرى لي
يا ويح قلبي لما جرى
لقد تخيل الشاعر حالة رزق بن نايل وما هو قائم في نفسه، من عدم إنجابه مولد ذكر، وتزوج كثيرًا ولم ينجب سوى ابنته شيحة، فأتى بمرحلة تقدمه في السن وعبر عنها، كما تخيلها بالكسر في العظام، وعبر عن حزن الفارس بالدموع، المنهمرة حتى مزقت أجفان عينيه، وسرت على الأرض كالطوفان.

خروج خضرة من النجع
وننتقل إلى الشاعر عز الدين نصر الدين، ونرى ملكة الخيال العربي عنده عند خروج خضرة الشريفة من النجع:
وجالت الشريفة
أمانه يا نسوم الهوى تروح لبني هلال
واحكي لهم على الحكاية
وانظر مني واسمع للأقوال
على ما جرى للصبايا
وفي هذا المشهد يتخيل الشاعر خروج خضرة من النجع، وعندما سارت بها الركوبة (الجمل)، صعدت إلى تلة عالية تنظر منها على نجع نجد، ولم تجد من تخاطبه، ولرقتها خاطبت النسيم، لقد تخيل الشاعر تلك اللحظة الشعورية التي بها انكسار لخضرة، وأظهر كم هي رقيقة في مخاطبتها للنسيم، وأن يكون هذا النسيم كرسول لها يحكي عن الاتهام الباطل الذي دُبِّر لزوجها ولها.
وتخيل الشاعر شموخ خضرة أمام قبيلة بني هلال ودفاعها عن نفسها في مشهد سابق، إلا أن بعد خروجها كانت منكسرة النفس، وقالت:
(كما وإن بكيت، أوعوا تلومني
أنا ريت مامتي وتطلع رحلنا (أي يا ليتها ماتت وتصعد روحها)
ولا العرب كانوا يتهمونا).
ونكتفي بهذه الأمثلة من الشعر التمثيلي المعتمد في أسسه على (ملكة الخيال) العربية، وننوه بأن كما استخدم عنترة ملكة الخيال في الشعر الفصيح، استخدم شعراء الهلالية ملكة الخيال في الشعر التمثيلي غير الفصيح، وكما قال الجاحظ: (كل الكلام عربي).
وبهذا نرى أن مفهوم (ملكة الخيال) في العربية سار عليه شعراء الفصحى وشعراء غير الفصحى، وفق مفهوم (ملكة الخيال) في العربية الفصيحة، وهذا من جماليات مسرح السيرة الهلالية.