


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
شهدت الدراما السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا، لم يعد يقتصر على زيادة عدد الأعمال أو اتساع حجم الإنتاج، وإنما امتد إلى طريقة كتابة الحكاية وبناء الشخصية والنظر إلى المجتمع السعودي نفسه، تماما كما جاء في مسلسل (بنات عمير) الذي عرض مؤخرا على شاشة (شاهد).
ومن خلال مسلسل (بنات عمير) بدا واضحا لي أن الدراما السعودية بدأت تتجاوز الصورة التقليدية للحكاية العائلية المباشرة، لتقترب من موضوعات أكثر تنوعًا، وتدخل إلى تفاصيل الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها الإنسان السعودي في الوقت الحالي.
ولم يعد الرهان الأساسي أن تقدم الدراما السعودية حكاية يمكن أن يتعرف إليها المشاهد المحلي فقط، وإنما أن تقدم الشخصية السعودية بتفاصيلها الإنسانية الخاصة، وفي الوقت نفسه تملك القدرة على الوصول إلى المشاهد العربي، وهنا تظهر أهمية التحول من (الحكاية التي تحدث في السعودية) إلى (الحكاية السعودية التي تتحدث عن الإنسان) كما بدا واضحا في المسلسل الاجتماعي (بنات عمير).
وفي هذا المناخ يأتي (بنات عمير) باعتباره نموذجًا لهذا التحول؛ فهو يستخدم الأسرة بوصفها مدخلًا لقراءة المجتمع، ولا يكتفي بتقديم أب وبناته في حكاية عائلية، وإنما يحاول من خلالهم رصد اختلاف الأجيال، وتبدل الأدوار داخل البيت، والصراع بين رغبة الأب في الحماية ورغبة الأبناء في الاستقلال بهامش من الحرية.


أهمية الدراما السعودية الجديدة
وهنا تحديدًا تبدو أهمية الدراما السعودية الجديدة: أنها لا تكتفي بأن تحكي عن المجتمع، وإنما تحاول أن تنظر إليه من الداخل، وتكشف كيف تغيرت علاقات أفراده، وكيف أصبحت الأسرة نفسها ساحة لصراع الأفكار والقيم والتوقعات في طل الحياة العصرية.
وهنا يمكن وضع (بنات عمير) في سياق هذا التحول: مسلسل اجتماعي ينتمي إلى مرحلة تريد فيها الدراما السعودية أن تكون مرآة للمجتمع، لا مجرد شاشة تعرض مشكلاته على جناح السطحية.
المسلسل السعودي (بنات عمير) لا يبحث عن قضية ضخمة خارج البيت، وإنما يضع الأسرة نفسها تحت المجهر، ويجعل من علاقة الأب ببناته الخمس نقطة انطلاق لحكايات متعددة تتقاطع فيها مسؤولية التربية مع الفقد، والحب مع الخوف، والرغبة في الاستقرار مع حق الإنسان في أن يبدأ حياة جديدة مهما كانت التعقيدات.
في الظاهر، يبدو (عمير) أبًا أرملًا يؤدي دورًا معروفًا في الدراما: رجل فقد زوجته واضطر إلى تحمل مسؤولية بناته، لكن المسلسل يمنح هذه الفكرة مساحة أكبر؛ فعمير لا يحاول فقط توفير الاحتياجات المادية لبناته، بل يحاول أن يعوض غياب الأم، وأن يفهم خمس شخصيات مختلفة تحت سقف واحد تجمعهم الهموم المشتركة.
من أذكى اختيارات المسلسل ألا يجعل البنات الخمس مجرد مجموعة متشابهة تتحرك لخدمة قصة الأب.. كل شخصية لها مساحة ومشكلتها الخاصة، فمنذ الحلقات الأولى، يظهر اختلاف أعمارهن وطموحاتهن وأزمتهن؛ هناك من تواجه أزمة صحية، وأخرى تتعرض لضغوط مرتبطة بالعمل، وأخرى تدخل مرحلة الجامعة، بينما تعيش أخرى صراعاتها الخاصة مع الزواج والحب ونظرة المجتمع إليها.
وهكذا يصبح البيت صورة مصغرة للمجتمع.. الأب يمثل جيلًا يحاول حماية ما يعرفه.. والبنات يمثلن أجيالًا تريد أن تعيش وفق شروط جديدة، ومن هنا يظهر الصراع الأهم في العمل: صراع الحب على طريقة الآباء، مع الحرية على طريقة الأبناء.. وهذا صراع لا يحتاج إلى خصم شرير حتى يصبح دراميًا؛ يكفي أن تختلف الرؤية إلى الحياة المعاشة.
ولي ملاحظة مهمة للغاية، فمن الخطوط التي كان يمكن للمسلسل أن يتعامل معها بعمق كبير، قصة (غلا) ومرضها، فمنذ البداية، يتضح أن مرض غلا وتضخم القلب يصبحان مصدر خوف حقيقي للأسرة، ثم يتطور هذا الخط وصولًا إلى لحظة اتخاذ قرار إجراء الجراحة الخطيرة.


ترتيب العلاقات داخل البيت
والمرض هنا لا يؤدي وظيفة ميلودرامية فقط، وإنما يكشف هشاشة الأسرة، فالأب الذي يبدو قويًا أمام بناته يصبح عاجزًا أمام احتمال فقد إحداهن، والبنات اللاتي يتشاجرن في التفاصيل اليومية يكتشفن فجأة أن هناك ما هو أكبر من خلافاتهن الصغيرة، وهنا ينجح مسلسل (بنات عمير) في واحدة من أجمل نقاطه: الأزمة الكبرى تعيد ترتيب العلاقات داخل البيت السعودي البسيط.
ومن هنا يبدو أن الحب القديم.. هو اختبار للأسرة، فعودة (منيرة) إلى حياة عمير هى الخط الدرامي الذي يختبر بنية العائلة كلها.. فهل من حق الأب أن يبدأ حياته من جديد؟.. بالطبع نعم.. لكن السؤال الدرامي الأكثر تعقيدًا هو: كيف يستقبل الأبناء هذه البداية؟
البنات لا يرون (منيرة) مجرد امرأة يحبها والدهم، وإنما قد يرونها تهديدًا لمكانة الأم الغائبة، أو احتمالًا لتغيير شكل البيت الذي اعتدن عليه، وهنا يصبح رفضهن مفهومًا من الناحية النفسية، حتى لو لم يكن دائمًا مبررًا منطقياً، وهذا ما يعطي الصراع قيمته؛ فلا توجد شخصية تستطيع أن تحصل على تعاطف كامل أو إدانة كامل بحسب السيناريو.
ولا يكتفي مسلسل (بنات عمير) بحكاية الحب والأبوة، وإنما يقترب من قضايا اجتماعية أكثر قسوة.. من بين هذه القضايا العنف داخل الأسرة، كما يظهر في خط منيرة، التي تلجأ إلى صديقتها بعد تعرضها للضرب من زوجها، وهنا تخرج الدراما من إطار الأسرة المثالية إلى الأسرة التي يمكن أن تكون مكانًا للخوف أيضًا.
أهمية الكتابة في (بنات عمير) تأتي من محاولة وضع القضية داخل الشخصية، فالعنف يظهر من خلال امرأة تعيشه، وليس من خلال خطبة عنه، والمرض يظهر من خلال أب يخاف على ابنته، وليس من خلال معلومات طبية، والزواج يظهر من خلال علاقات ومشاعر واختيارات، وليس باعتباره (موضوع الحلقة).


بطء الإيقاع في بعض الحلقات
هنا يبدو الفارق بين الدراما التي تتكلم عن المجتمع والدراما التي تجعل المجتمع يتكلم من خلال شخصياتها.، لكن النص، رغم ذلك، لا يخلو من لحظات كان يمكن فيها تقليل التكرار، أو منح بعض الخطوط الجانبية مساحة أقل حتى لا تنافس الخط الأساسي، خصوصًا مع وجود عدد كبير من الشخصيات والمشكلات داخل أسرة واحدة تعيش أزمات مادية.
على مستوى الإخراج، فإن (بهاء خداج) نجح في الحفاظ على وضوح العالم الأسري، وفي جعل البيت والبيئة المحيطة جزءًا أساسيًا من الحكاية، لكن العمل كان يستطيع أن يذهب أبعد من ذلك بصريًا، فالدراما الاجتماعية لا تعني بالضرورة الإخراج الهادئ التقليدي.. على العكس، كلما كان الصراع داخليًا، ازدادت الحاجة إلى أن يصبح المكان لغة تعبر عن الواقع.
لكن من أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها على (بنات عمير) بطء الإيقاع في عدد من الحلقات والمشاهد، وهى مشكلة تبدو أكثر وضوحًا لأن المسلسل يمتلك في الأساس عددًا كبيرًا من الشخصيات والخطوط الدرامية التي كان يمكن أن تمنحه حيوية أكبر من تلك الوتير التي شهدت نوعا من البطء كما بدا لنا.
في بعض الحلقات، يبدو أن الأحداث تتحرك ببطء أكبر من اللازم، فتتكرر بعض المواجهات والانفعالات، ويعاد طرح المشكلة نفسها بأكثر من صيغة قبل أن تتقدم القصة خطوة حقيقية إلى الأمام، ومع تكرار هذا الأسلوب، يبدأ المشاهد في الشعور بأن بعض المشاهد يمكن اختصارها دون أن تخسر الحكاية شيئًا أساسيًا يتطلب حتمية درامية.
وتزداد المشكلة مع تعدد الخطوط الدرامية؛ فكل خط يحتاج إلى مساحة حتى يصل إلى نتيجته، لكن توزيع هذه المساحات لم يكن دائمًا متوازنًا. أحيانًا نتوقف طويلًا عند قضية فرعية، بينما يتراجع الخط الرئيسي، ثم نعود إليه بعد فترة وقد فقد جزءًا من توتره المعهود في الحكاية.
وهنا يظهر دور المونتاج والإخراج في ضبط النبض العام للعمل، فالمسلسل الاجتماعي لا يحتاج إلى كثرة الأحداث بقدر ما يحتاج إلى حركة داخلية مستمرة؛ أي أن يحدث تغير في العلاقة أو الشخصية أو المعلومات حتى في المشهد الهادئ.

التناغم اللافت بين طاقم التمثيل
وعلى الرعم من كل الملاحظات السابقة أرى أن من أهم عناصر قوة (بنات عمير) ذلك التناغم اللافت بين طاقم التمثيل، خصوصًا أن العمل يعتمد في جانب كبير منه على العلاقات داخل الأسرة، وبالتالي فإن صدق هذه العلاقات أمام الكاميرا هو الذي يحدد إلى حد كبير قدرة المشاهد على تصديق الحكاية والتورط عاطفيًا في تفاصيلها مهما كانت تعقيدتها.
في المقدمة يأتي (مشعل المطيري) في شخصية (عمير)، حيث يقدم نموذج الأب الذي يحمل داخله خليطًا من الحنان والخوف والضعف والرغبة في الحماية. والمميز في أدائه أنه لا يقدم الأب باعتباره شخصية مثالية طوال الوقت، وإنما يترك مساحة للارتباك والخطأ والانفعال، وهو ما جعل (عمير) شخصية إنسانية يمكن تصديقها، خصوصًا في مشاهد خوفه على بناته أو اضطراره إلى اتخاذ قرارات لا ترضيهن.
أما (سماح زيدان وآلاء سالم وأميرة الشريف والعنود عبدالحكيم وأبرار فيصل)، فقد نجحن في تقديم البنات باعتبارهن شخصيات مختلفة، لا مجرد وجوه متعددة للدور نفسه، لكل واحدة طريقتها في التفكير والانفعال، ولكل شخصية علاقتها الخاصة بالأب وبشقيقاتها، وهو ما منح الأسرة تنوعًا دراميًا واضحًا كما لاحظت.
ومن العناصر اللافتة أيضًا أن الممثلين لم يتعاملوا مع الأحداث الاجتماعية باعتبارها مجرد (قضايا) يجب تمثيلها، وإنما حاولوا تحويلها إلى مشاعر شخصية؛ فالمرض يصبح خوفًا حقيقيًا، والحب يصبح احتياجًا إنسانيًا، والعنف يصبح تهديدًا، والاختلاف بين الأجيال يصبح توترًا داخل البيت المعرف بدفء علاقاته.
وهذا تحديدًا ما يميز الأداء الجيد: أن يجعل القضية تختفي خلف الشخصية، وأن نشعر بالإنسان قبل أن نفكر في الموضوع الذي يناقشه المسلسل، وفي تقديري، فإن براعة طاقم (بنات عمير) منحت العمل قدرًا من القوة عوّض بعض الملاحظات المتعلقة بالإيقاع والإخراج؛ فحين تكون الشخصيات مقنعة، يصبح المشاهد مستعدًا لمتابعة تفاصيل حياتها حتى عندما تتراجع سرعة الأحداث.
وهنا يمكن القول إن نجاح المسلسل في جانب كبير منه يعود إلى أن أبطاله لم يؤدوا (أسرة مكتوبة على الورق)، وإنما قدموا أسرة تبدو وكأن لها تاريخًا سابقًا على بداية الحلقة الأولى، وحياة ستستمر حتى بعد نهاية الحلقة الأخيرة في سياقها الطبيعي والإنساني.